Sunday, June 9, 2013

الصكوك: قضايا فقهية واقتصادية


 

 

 

 

                الصكوك: قضايا فقهية واقتصادية

د. عبد العظيم جلال أبو زيد
د. معبد علي الجارحي






ورقة مقدمة إلى مجمع الفقه العالمي






مقدمة

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين..
التمويل الإسلامي قديم جديد،  فمنذ بزوغ الإسلام، والمسلمون ينشطون في المجال الاقتصادي، من حيث القيام بالإنتاج والتجارة والتمويل.  وكانت الحاجة للتمويل تستوفى من خلال الأسواق مباشرة، دون أن تكون هناك مؤسسات متخصصة في التمويل؛  فمن أراد مثلا أن يشتري بضاعة جملة واحدة بغرض بيعها تجزئة لعدد كبير من الناس، ويحتاج لتمويل شرائها، فإنه يمكن أن يقوم بتمويلها من خلال الاتفاق مع بعض الأفراد علىتقديم التمويل وفقا لأحد العقود الشرعية، مستخدما في ذلك اتصالاته وعلاقاته مع التجار وغيرهم.  ولذلك، فإن عمليات التمويل كانت تتم غالبا في السوق، ولم يجد المسلمون لوقت طويل حاجة إلى إنشاء مؤسسات مالية أو مصرفية متخصصة.
وعندما دخل المسلمون المتأخرون في عصور التخلف، قامت الثورة الصناعة في الغرب، تلك الثورة التي أدت إلى تفضيل الإنتاج والتوزيع بحجم كبير، للاستفادة من ما ينتج عنه من انخفاض في التكاليف
وبالتالي ظهرت شركات المساهمة، وانتشرت البنوك، وتطورت الأدوات المالية.  ولا شك أن وفور الإنتاج بحجم كبير يحتاج لمؤسسات إنتاجية ضخمة، كما يحتاج إلى أموال أكبر بكثير من ما يمكن جمعه من خلال العلاقات الخاصة في السوق. ومن ثم نشأت شركات المساهمة، كما نشأت البنوك لإقراض تلك الشركات، بالإضافة إلى الأسواق المالية التي يتم فيها ترويج وتداول الأسهم والسندات وغيرها من الأدوات المالية.
وعندما وصل الاستعمار إلى شواطئ بلاد المسلمين، وصلت معه البنوك ومؤسسات التمويل الربوي وكذلك الأدوات المالية المرتبطة بذات الهيكل المؤسسي.  ولذلك، كان على المسلمين أن يبدؤوا في تطوير مؤسسات مالية تتمكن من تقديم التمويل بحجم كبير للمؤسسات المالية والإنتاجية، ولم يكن ذلك بالأمر الهين، ذلك لأن المسلمين لم يكونوا قد بدأوا بعد في أخذ التطوير المؤسسي على محمل الجد إلا بعد أن انغمسوا في الربا، وتبنوا الإطار الغربي للتمويل، ظنا منهم أن في ذلك ضرورة ملحة، وأن هذه الضرورة تبرر الوقوع في الحرام.  بل إن البعض انبرى لتحليل الفائدة والادعاء باختلافها عن الربا،  ولم يقتنع معظم المسلمين بخطأ ذلك إلا بعد أن نشأت المصارف الإسلامية، وبدأت ثمار الجهود الحثيثة لتطبيق الاقتصاد الإسلامي في الظهور.
والأدوات المالية ليست إلا مجرد وثائق ملكية في حقوق على الشيوع،  وهي تشمل الأسهم، والسندات، وشهادات الاستثمار في الصناديق، والصكوك، بجانب العديد من المشتقات.  ولقد ثارت قضايا كثيرة تتعلق باستخدام كلٍ من هذه الأدوات وغيرها.  ووضعت هيئات الفتوى والرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية معايير لاستخدام تلك الأدوات.  كما تصدت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية لوضع معايير لتملك وتداول الأسهم، ومعايير للصكوك.  كما قامت هيئة الفتوى والرقابة الشرعية لسوق دبي المالي بتطوير معايير جديدة للأسهم، وهي تعمل حاليا لتطوير معايير جديدة للصكوك.
وتهدف هذه الورقة إلى استعراض كافة القضايا الاقتصادية والشرعية الخاصة بإحدى أهم الأدوات المالية الإسلامية، ألا وهي الصكوك،  وبيان بعض الأحكام المقترحة على مجمع الفقه الإسلامي الدولي.  ونرجو أن تكون خطوة نحو تطوير أحكام التمويل الإسلامي، بما ينفع المسلمين ويحقق مصالحهم.
والله من وراء القصد،












المحتويات




أولا: مفاهيم أساسية

تعريفات تتصل بالصكوك

‌أ.     الصكوك:

1. الصكوك جمع( صك) وتعني شهادة أو وثيقة أو مستند[1].  وتعرف الصكوك بأنها شهادات أو وثائق (أوراق مالية) اسمية أو لحاملها، متساوية القيمة، تمثل حقوق ملكية شائعة في أصول أو أعيان أو منافع أو خدمات أو حقوق مالية، أو خليط من بعضها أو كلها، حسب شروط معينة، عند إصدارها أو بعد استخدام حصيلتها بالاكتتاب فيها،  ويشترك حملتها في أرباح وخسائر الموجودات التي تمثلها.  وهي قابلة للتداول، ما لم تمثل نقدا أو دينا محضا. ولا تمثل الصكوك دينا لحاملها في ذمة مصدرها، ويعتمد إصدارها على عقد من العقود الشرعية، وتفصل نشرة إصدارها حقوق والتزامات أطرافها، وتتميز بالخصائص التالية:
1.1.     كونها وثائق اسمية أو لحاملها، تصدر بفئات متساوية القيمة لإثبات حق مالكها فيما تمثله من حقوق في الموجودات والمنافع الصادرة مقابلها.
1.2.     تصدر بعقد شرعي وضوابط شرعية بين أطرافها ويحدد العقد شروط تداولها وإدارتها.
1.3.     يشترك حائز الصكوك في الأرباح بنسبة متفق عليها ومحددة في نشرة الإصدار، ويتحمل الخسائر بقدر قيمة الصك فقط، وله الحق في ناتج التصفية.
1.4.     تصدر الصكوك على شكل أوراق مالية، ويقع إصدارها بناء على أساس أحد عقود فقه المعاملات وضوابطها الشرعية.
1.5.     تعتمد قابليتها للتداول على ما يمثله الصك من ملكية في الأعيان أو المنافع أو الخدمات أو الحقوق المالية، وعلى صحة وشرعية العقود المستخدمة معها.
1.6.     لا تمثل الصكوك ديناً لحاملها على مُصدرها، كما هو الحال في السندات. بل تمثل حصة شائعة في ملكية موجودات تدر عائدا من الاستثمار[2] .
2. موجودات الصكوك: الأعيان أو المنافع أو الخدمات أو الخليط من كل ذلك أو بعضه، (underlying assets, usufruct and services).
3. عقود الصكوك: (underlying contracts). هي العقود التي يتم على أساسها استثمار حصيلة بيع الصكوك.  ولا بد أن تكون هذه العقود من العقود الشرعية المعتبرة.
4.  أطراف الصكوك:
4.1.    صانع الموجودات: مصدر الصكوك، وهو مستخدم حصيلة إصدار الصكوك، وقد يكون شركة أو حكومة أو فردا، أو مؤسسة مالية، وقد تنوب عن مصدر الصكوك مؤسسة إصدار وسيطة.
4.2.    حملة الصكوك: المالكون لموجوداتها، وهم يحوزون وثائق الصكوك بأنواعها المختلفة.
4.3.    المدير، الذي يتولى إدارة الموجودات المملوكة لحملة الصكوك نيابة عنهم.
4.4.    مدير الصكوك، وهو الذي يتولى إدارة الموجودات المملوكة لحملة الصكوك نيابة عنهم.  ويلاحظ أن الصكوك تدار على أساس الشركة أو المضاربة أو الوكالة.  ويعين لإدارتها مدير أو مضارب أو وكيل من بين الشركاء أو من غيرهم.
4.5.         مدير صكوك الإجارة: بائع الموجودات المؤجرة أو الموعود بإيجارها،
4.6.         مدير صكوك المشاركة: الشريك  المدير
4.7.         مدير صكوك المضاربة: المضارب
4.8.         مدير صكوك المرابحة /السلم / الاستصناع: من يعنه حملة الصكوك
4.9.         مدير صكوك الوكالة: وكيل الاستثمار
4.10.   مدير الاستثمار، هو مدير الصكوك أو من يفوضه في استثمار حصيلتها

‌ب. السندات:

1. جمع سند ويعني شهادة أو وثيقة (ورقة مالية) تمثل حقا في مبلغ محدد من النقود يدفع في أجل معين، ويتكون هذا المبلغ من الأصل المدفوع بداءة في شراء السند والربا المحسوب عن الأجل.  ولذلك فالسند وما يشابهه مثل السندات الحكومية، وأذون الخزانة، وسندات الشركات، وأدوات الدين الأخرى التي تصدرها المؤسسات الحكومية والخاصة تحت تسميات أخرى. 
2. السندات أدوات مالية ربوية يحرم التعامل بها شرعا.  ولا يعتد بالتسميات، وإنما بحقيقة الأوراق المالية وطبيعتها، فإطلاق شهادات الاستثمار على السندات لا يغير من حرمة امتلاكها وتداولها. كما أن إطلاق ا"لسندات الإسلامية" على الصكوك لا يجوز لأن في ذلك تناقض واضح بين كونها سندات (أي حقوق في ديون نقدية) وكونها صكوك (أي حقوق في موجودات مختلطة).

‌ج. الأسهم:

3. جمع سهم، وهو ورقة مالية تثبت لمالكها حصة شائعة في ملكية موجودات في شركة مساهمة، وهي ملكية تامة، رقبة ومنفعة، ولا تقتصر على مجرد حقوق مالك السهم في الربح وناتج التصفية.  ويمكن أن يكون اسميا، أو لحامله.  

الفرق بين الصكوك والأدوات المالية الأخرى

‌أ.     الفرق بين الصكوك والأسهم

تشترك الصكوك مع الأسهم في خاصية أن كليهما حقوق على المشاع في موجودات متنوعة، اقتنيت بغرض الاستثمار، ومن ثم توزيع الأرباح على حامليها.  كما أن الموجودات تدار من جانب جهة معينة تكون مسئولة قبل حملة الأسهم والصكوك.
وتختلف الصكوك عن الأسهم في أن السهم يمثل في العادة ملكية على المشاع في شركة معينة.  وأن حامل السهم له حقوق مباشرة على إدارة الشركة، فله صوت في تعيين الإدارة وعزلها، كما أن له صوت في إقرار الحسابات الختامية وتوزيع الأرباح.  على أنه يمثل السهم حصة على المشاع في موجودات أكثر من شركة مساهمة، وذلك حين يكون السهم حصة في شركة قابضة، ذات شركات تابعة.  ولكن السهم لا يعطي حامله حقوقا مباشرة في إدارة الشركات التابعة، ولكن يعطيه حقوق للتأثير على إدارة الشركات التابعة من خلال تأثيرة على إدارة الشركة الأم.
والخلاصة أن السهم يخضع لأحكام عقد المشاركة.
وفي العادة يمثل الصك حقوقا في موجودات متنوعة، بعضها قد يكون حقوقا على المشاع في شركات (أسهم) وبعضها أعيان تستغل مباشرة بمعرفة مدير الاستثمار.  كما أن علاقة حامل الصك بمدير الصكوك تختلف عن علاقة حامل السهم بإدارة الشركة، فحامل الصك ليس له الحق في تعيين إدارة الصكوك ولا عزلها، وإن كان له الحق في بيع صكه إلى الغير، تماما كما يحق لحامل السهم بيعه إلى الغير.
والخلاصة أن العلاقة بين حامل الصك والمضارب يحكمها عقد مضاربة الجمع، التي يقوم المضارب فيها باستثمار أموال عدد كبير من أصحاب الأموال، الذين يدخلون ويخرجون من المضاربة عن طريق بيع وشراء الصكوك.

‌ب. الفرق بين الصكوك والسندات

السند حق على الشيوع في دين نقدي يكون ربويا على الأغلب[3]، وبالتالي، فإن حامل السند يحصل على حصته من الفائدة أو الربا المدفوعة على السند، وقد يكون سعر الفائدة ثابتا، وبالتالي يكون الدخل من السند ثابتا كذلك، وقد يكون متغيرا، مما يجعل الدخل من السند متغيرا.  وبالتالي فإن حيازة السهم وتجارته حرام، لوقوع ربا القرض المحرم.
أما الصك فهو حق على الشيوع في موجودات مستثمرة يكون بعضها عيونا وبعضها ديونا ونقودا.  وسنتناول احتواء موجودات الصك على الديون ومدى تأثيره على جواز تملكه وتداوله.

أهمية الصكوك

يتكون الهيكل المؤسسي لقطاع التمويل من ثلاثة مكونات رئيسة: البنوك والمؤسسات المالية، وأسواق النقد والمال، والأدوات المالية والنقدية، وسلطات الإشراف والرقابة. وتدخل الصكوك ضمن الأدوات المالية والنقدية.  ويقوم قطاع التمويل على تخصيص الموارد المالية التي يجتذبها من أصحاب الأموال بين الاستخدامات المختلفة في الاقتصاد.  وإذا تحققت الكفاءة في هذا القطاع، فإن الموارد المالية سوف تتوزع على أفضل الاستخدامات الممكنة، بحيث يتحقق تعظيم الإنتاج.  وبالتالي، فإنه يكون من غير الممكن زيادة إنتاج الدولة عن طريق إعادة تخصيص الموارد، لأن تخصيص الموارد قد وصل إلى مستواه الأمثل.
والصكوك أداة مالية ظهرت على أيدي علماء الاقتصاد الإسلامي، وليست أداة مولدة.  وبالتالي فإنه لا يجوز أن نحمل هذه الأداة أوزار التمويل التقليدي، الأمر الذي يحولها من أداة مالية إسلامية إلى أداة مالية تقليدية.  والغرض من وراء الصكوك هو جمع الأموال من أصحابها واستخدامها في الاستثمار.  ومن الملاحظ أن الاستثمار بصفة عامة المقصود منه استحداث موجودات منتجة وخلطها مع بعضها البعض، في إطار نشاط اقتصادي: إنتاجي (إنتاج الطيبات من السلع والخدمات) أو تجاري (شراء وبيع السلع والخدمات).  والمقصود بالاستثمار في حالة الصكوك هو اقتناء الموجودات المدرة للدخل، بسبب كونها موظفة في نوع من النشاط الاقتصادي.  هذا الاقتناء يهيئ لقطاع الأعمال الحصول على الموجودات المطلوبة للنشاط بأقل تكلفة تمويل ممكنة، كما يهيئ لحملة الصكوك المشاركة في الدخل الناجم عن النشاط الاقتصادي.
ومن أمثلة ذلك، أن يتم إصدار صكوك تستخدم حصيلتها في اقتناء آلات وتأجيرها إلى مصنع إجارة منتهية بالتمليك، أو اقتناء طائرات وبيعها بثمن آجل إلى شركة طيران، أو اقتناء مباني والدخول بقيمتها في مشاركة مع شركة صناعية أو تجارية.  والأمثلة في ذلك كثيرة.
ومن المهم من الناحية الشرعية أن نحدد المقاصد الشرعية من وراء إصدار الأدوات المالية بصفة عامة، والصكوك بصفة خاصة. ونلخصها فيما يلي:
1. ان تعين الأداة المالية على جمع الأموال من أصحابها، واستثمارها من قبل المتخصصين، بأقل التكاليف الممكنة وبأسهل الطرق المتاحة.
2.  أن تهيئ لأصحاب الأموال فرصا لتوظيف أموالهم تحقق ما يلي:
2.1.    ارتفاع درجة الأمان إلى أقصى حد ممكن، وانخفاض المخاطر إلى أدنى حد ممكن.
2.2.         ارتفاع العائد من التوظيف إلى أعلى حد ممكن.
2.3.         إمكان تسييل المال واسترداده دون تأخير، وهذا ما يوصف بالسيولة.
3. أن توازن بين مصالح أصحاب الأموال ومصالح المستثمرين، بحيث لا تتيح لإحدى الفئتين استغلال الفئة الأخرى.  ومن ذلك:
3.1.    أن تتاح الفرصة لأصحاب رؤوس الأموال الحصول على كافة المعلومات اللازمة عن طبيعة وإجراءات الاستثمار ونتائجه، لكي يتمكنوا من متابعة استخدام أموالهم بصورة مستمرة وفعالة.
3.2.    أن تتاح الفرصة لأصحاب رؤوس الأموال لمحاسبة المستثمرين في حالة الإهمال والتقصير ومخالفة شروط العقد.
3.3.    أن يتم إصدار وتداول الصكوك واستثمار حصيلتها بما يتفق مع أحكام الشريعة الغراء، وبما يحقق مقاصدها.

سوق الصكوك

بدأ تاريخ الصكوك في ماليزيا عام 2002 حين تم إصدار ما يقارب المليار دولار منها.  ونما حجم الصكوك المصدرة بمعدلات مرتفعة، حتى تجاوز 94 مليار دولار عام 2007.  وسادت توقعات متفائلة باستمرار نمو المعروض من الصكوك، شكل (1).  ولكن في عام 2008  تسبب النقص العالمي في السيولة، نتيجة أزمة الديون العقارية الرديئة في العالم الغربي، وكذلك الخلاف بين الفقهاء حول الأساليب التي كانت تستخدم في تقديم ضمانات لحملة الصكوك، في انحسار النمو في إصدارها بدرجة كبيرة، حيث لم يتجاوز مجمل ما أصدر منها خلال ذلك العام 19 مليار دولار إلا بقليل. 
واستمرت ماليزيا في الاحتفاظ بمركز المقدمة بين مصدري الصكوك حتى عام 2006.  ولا شك أن الخبرة الماليزية وتطور قطاعها المالي قد ساعدها كثيرا في الحصول على قصب السبق في هذا المضمار، شكل (2). إلا أن الصكوك الماليزية بدأت في الغالب مبنية على بيوع العينة المحرمة وبيع الدين.  وقيل لتبرير ذلك حينئذٍ أن المذهب الشافعي يسمح ببيوع العينة.  ولكن عندما تبين أن الصكوك الماليزية لم تستطع أن تحصل على قبول دولي في الدول الإسلامية، واقتصر تداولها على الأسواق المجاورة وأسواق الدول الغربية، بدأت ماليزيا في الإقلاع عن الاعتماد على بيوع العينة والديون.  ومن المنتظر أن يتم استبعاد الصكوك المبنية على عقود محرمة بالتدريج.
وفي عام 2007، تمكنت الإمارات من الوصول إلى المقدمة وتفوقت على ماليزيا بفارق صغير.  وجاءت السعودية بعد ماليزيا في الترتيب وبفارق كبير، شكل (3).  وفي عام 2008 بقيت الإمارات في الصدارة وقل الفارق بينها وبين ماليزيا، كما حلت الكويت محل السعودية في المركز الثالث، شكل (4).




ثانيا: تملك الصكوك

يحدث تملك الصكوك في حالتين: الأولى عند شرائها إما من مصدرها في مرحلة الإصدار، والثانية، عندما تشترى من حاملها الذي كان قد اشتراها من مصدرها أو من شخص آخر.  وتعالج الحالة الأولى تحت عنوان تملك الصكوك.  أما الحالة الثانية فينظر فيها تحت عنوان تداول الصكوك.
وعند إصدار الصكوك، تكون هناك علاقتان تعاقديتان.  الأولى بين المشتري والمصدر، وهي علاقة مضاربة، يفوض فيها المشتري إدارة موجودات الصكوك بغرض تحقيق ربح.  والثانية تحكم اسلوب استخدام حصيلة الصكوك في الاستثمار، وهي لا بد وأن تتم من خلال عقود شرعية صحيحة، فإذا تمت كذلك، جاز تملك الصكوك.  والجدول التالي يبين العقود المستخدمة في استثمار حصيلة الصكوك وما يترتب عليها من أحكام في مجال تملك الصكوك.

جدول  1
عقد الاستثمار
حكم التملك
حكم التداول
المشاركة
جائز
جائز مع بدء النشاط ومراعاة أحكام تمثيل الصكوك لموجودات قابلة للتداول
المشاركة المتناقصة
جائز
جائز مع بدء النشاط ومراعاة أحكام تمثيل الصكوك لموجودات قابلة للتداول
المضاربة المطلقة
جائز
جائز مع بدء النشاط ومراعاة أحكام تمثيل الصكوك لموجودات قابلة للتداول
المضاربة المقيدة
جائز
جائز مع بدء النشاط ومراعاة أحكام تمثيل الصكوك لموجودات قابلة للتداول
الوكالة المطلقة
جائز
جائز مع بدء النشاط ومراعاة أحكام تمثيل الصكوك لموجودات قابلة للتداول
الوكالة المقيدة
جائز
جائز مع بدء النشاط ومراعاة أحكام تمثيل الصكوك لموجودات قابلة للتداول
المرابحة
جائز
غير جائز إلا من وقت شراء السلع إلى حين بيعها
البيع بثمن آجل
جائز
غير جائز إلا من وقت شراء السلع إلى حين بيعها
الإجارة التشغيلية
جائز
يجوز قبل إعادة إجارة الأعيان المستأجرة
في صكوك ملكية منافع الأعيان المعينة، ولا يجوز في غير المعينة
الإجارة المنتهية بالتمليك
جائز
جائز مع بدء النشاط ومراعاة أحكام تمثيل الصكوك لموجودات قابلة للتداول
الاستصناع
جائز
جائز مع تحول النقود إلى أعيان، ولا يجوز إن دفعت حصيلة الصكوك ثمنا في استصناع مواز
السلم
جائز
غير جائز



ثالثا: تداول الصكوك

‌أ.     حكم تداول الصكوك باعتبار ما تمثله من حقوق على المشاع لا أعيان معينة  أو مقبوضة

تمثل الصكوك حقوقاً ملكية في موجداتها على سبيل المشاع بين الشركاء حملة الصكوك، إذ لا تتعين حصة حامل الصك في موجودات الصكوك، وهي بالتالي غير مقبوضة منه. وعليه فإن حامل الصك عندما ييبيع صكه فإنه يبيعه مِلكاً غير معين ولا مقبوض.
لكن الفقهاء على جواز بيع الحصة الشائعة في الملك المشترك دونما حجة للفرز، ويعد القبض الجمعي للملك المشترك من قبل الشركاء كافياً لتحقق القبض الشرعي المشروط في البيع.[4] وقد نصت على ذلك مجلة الأحكام العدلية: "يصح بيع الحصة المعلومة الشائعة".[5]

‌ب. هل يجب مراعاة أحكام الشفعة في بيع الصكوك:

أثبت الفقهاء الشفعة للشريك في الملك باتفاق. قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع".[6] فتشترط موافقة الشريك عند بيعه حصته لأجنبي، لكن الشفعة من الحقوق التي يمكن التنازل عنها بعد حدوث سببها وهو الملك، فيملك الشريك أن يتنازل عن حقه بالشفعة بعد التملك، والعرف التجاري معتبر في هذا. وعليه، فإنه عند الاكتتاب للصكوك يُعلم لكل مكتتِب أن لشركائه من حملة الصكوك الحق في بيع حصصهم الممثلة في الصكوك للآخرين وأن العرف جار بذلك. ولهذا جاز لحملة الصكوك أو الأسهم البيع لأجنبي. فضلاً عن أن مجلة الأحكام العدلية قد نصت على عدم اشتراط إذن الشريك عن بيع الحصة المعلومة الشائعة "يصح بيع الحصة المعلومة الشائعة بدون إذن الشريك".[7]

‌ج. حكم تداول الصكوك  

يجب التفريق كما تقدم بين تملك الصكوك عندما تُشترى من مصدرها في مرحلة الإصدار وبين تداولها عندما تشترى من حاملها؛ ففي الحالة الأولى قد يتم إصدار الصكوك مقابل موجودات معينة أو موصوف بالذمة فتكون بذلك علمية الإصدار بيعاً لتلك الموجودات، وذلك جائز لأنها:
1. إن كانت مقابل أعيان، كانت بيعاً لتلك الأعيان بالنقد، وهذا جائز مع توافر أركان البيع.
2. وإن كانت مقابل موجودات موصوفة بالذمة، كانت بيعاً لها بالنقد، وذلك جائز أيضاً.
أما إن كان الصكوك تصدر بغية استخدام حصيلتها في شراء أعيان مدرة للدخل مثلاً، لتكون ملكاً لحملة الصكوك، فإن عملية الإصدار لا تتضمن بيعاً حينئذ، فتبقى الصكوك المصدرة ممثلة للحصيلة المجمّعة، أي أنها تمثل نقوداً في هذه المرحلة.
تداول الصكوك:
يراد بتداول الصكوك بيعها في السوق الثانوية بعد شرائها من قبل المكتتبين. وهنا تفصيل:
1. تداول الصكوك التي أصدرت مقابل أعيان موجودة جائز، لأن هذه الصكوك تمثل تلك الأعيان، فيكون تداول الصكوك إعادة بيع لتلك الأعيان وهو جائز.
2.  تداول الصكوك التي أصدرت مقابل موجودات موصوفة بالذمة لا يجوز لاشتمال العلمية على بيع ما لم يقبض كما سيأتي تفصيله في حكم تداول صكوك السلم.
3. تداول الصكوك التي لم تستخدم حصيلتها في شراء أعيان بعد، غير جائز لأن الصكوك في هذه المرحلة ما زالت تمثل نقوداً فيكون بيعها بيعا للنقود، إلا أن تتحق شروط بيع النقود ببعضها من التقابض وتساوي سعر البيع مع القيمة الاسمية للصك فيجوز.
4.  بعد البدأ في إدارة موجودات الصكوك من خلال شراء موجودات جديدة يجوز تداول الصكوك. ويراعى في هذه الحال أن تكوين الموجودات المملوكة لحملة الصكوك قد يتغير بين الأعيان والديون والنقود، وسيأتي تفصيله.
5. عند تصفية الصكوك، يقوم مديرها ببيع كافة الأعيان، وسداد المستحقات من الديون، وتحصيل ما يستحقه حاملو الصكوك من الديون، وتتحول كافة الذمم إلى نقود.  في هذه الحال لا يجوز تداول الصكوك إلا بمبلغ يساوي حصته المتبقية من النقود.

‌د.    تداول الصكوك التي تشتمل موجوداتها على نقود أو ديون

يخضع بيع النقد أو الديون لأحكام معروفة في الفقه الإسلامي يراد منها اجتناب الوقوع في ربا الفضل أو النسيئة، فيشترط التساوي في القدر والحلول في الأجل عند بيع النقود أو الديون تحرزاً عن الربا. وينضم الغرر إلى الربا سبباً لمنع بيع الديون إلى غير المدين عند جمهور الفقهاء، ووجه تحقق الغرر هو عدم تحقق القدرة على تسليم المبيع، فقد ينكر المدين الدين أو يعجز عن سداده، فيكون في بيع الدين غرر مفسده له، وهو الغرر الذي منه لأجله بيع الشيء قبل قبضه.[8]
وبمقابل قول جمهور الفقهاء فقد ذهب إلى صحة بيع الدين إلى غير من عليه الدين مع انتفاء الربا الشافعية في قول ولكن بشروط تنفي الغرر، وهي أن يكون المديون مليئاً ومقراً بالدين، وأن يكون الدين حالاً ومستقراً [9]، وزاد بعضهم شرطاً آخر وهو:  أن يتم قبض العوضين في المجلس، ليتقين انتفاء الغرر. وقيل باعتماد هذا الشرط في المذهب.[10]  وأجاز الحنفية هذا البيع إذا سلَّط بائع الدين مشتريه على قبض الدين، فيكون المشتري قابضاً للموكِّل البائع  ثم لنفسه.[11]
   والمالكية هم من يقول بحل ببيع الدين (غير الطعام) لغير المدين ولا يشترطون حلوله، ولكن بشروط تخفف الغرر، وهي: أن يكون المدين حاضراً في البلد وإن لم يحضر مجلس البيع، وذلك ليعلم حاله من فقر أو غنى؛ وأن يقر المدين بالدين. وزاد بعضهم: أن لا يقصد الدائن البائع ببيعه الدين الإضرار بالمدين، كأن يبيع الدين لمن تعرف عنه الغلظة في الاستيفاء، قصداً للإضرار بالمدين.[12]
   وما نراه راجحاً في هذه المسألة جواز بيع الدين إلى الغير مع انتفاء الربا إذا انتفى الغرر بأن كان المدين معروفاً بملاءته وحرصه على سمعته التجارية، أو إذا كفله من كان شأنه كذلك، لأنه عندئذ يكون قبض الدين في حكم المتيقن الوقوع، وينتفي الغرر.
وعلى ما تقدم، يمكن القول بانتفاء الغرر في بيع الصكوك المشتملة على الديون نظراً لتوثيق الديون في الغالب وأخذ ضمانات السداد الكافية؛ لكن يبقى الأمر الأهم، وهو قضية الربا إن كان متحققاً.

‌ه.    تداول الصكوك وربا البيوع:

قد تشتمل موجودات الصكوك حين بداية التصكيك على نقود أو ديون، كما هو الحال حين تصكيك شركة بكل موجوداتها من أصول ونقود وديون، والنقود والديون أموال خاضعة لأحكام ربا البيوع، فيشترط تساويها حين بيعها بجنسها، كما يشترط التقابض في البدلين. وهنا ثمة اجتهادات معاصرة في المسألة، فأجيزَ تداول هذه الصكوك على الرغم مما قد تتضمنه من ديون أو نقود دونما ضرورة لمراعاة قضية التساوي أو التقابض إذا قلت نسبة هذه الأموال الخاضعة لأحكام ربا البيوع عن نسبة معينة. فقرر مجمع الفقه الإسلامي في قراره رقم 30 (5/4) بشأن صكوك المضاربة وصكوك الاستثمار أن العبرة بالغالب؛ فإن كان غالب موجودات الصكوك نقوداً أو ديوناً أو مجموعهما لم يجز تداول الصكوك. وكان لهيئة معايير المحاسبة والمراقبة في البحرين رأي بتحديد تلك النسبة بـ 30% ليسمح بتداول الصكوك إذا لم تزد نسبة النقود أو الديون عن 70%. وحددت هذه النسبة بـ 10% فقط وفقاً لبعض المعايير، كمعيار سوق دبي المالي، ليُسمح بتداول الصكوك ما دامت الموجودات القابلة للتداول قد بلغت10% كحد أدنى.
ولعله يُستدل على جواز ذلك بما يسمى بمبدأ صرف الجنس إلى غير جنسه، وقد توسع في هذا المبدأ الحنفية، ومن تطبيقاته أن يشتمل عقد البيع على مال ربوي (أي تنطبق عليه علة ربا البيوع) في العوضين من جنس واحد، ومع أحدهما جنس آخر ربوي أو غير ربوي، وهذه المسألة فرع عمّا يعرف في الفقه بما يسمى مسألة مُدَّ عجوة.[13] وقد منعها جمهور الفقهاء غير الحنفية وعللوا المنع بوقوع التفاضل في العوضين الربويين المتجانسين، لأن المال الربوي في العوض يقابل بجنسه في العوض الآخر ولا يتوزع عليه وعلى الجنس الآخر المضموم إليه. أي لو بيعت عشرة دراهم ومكيال من القمح بخمسة عشر درهماً، قوبلت الدراهم بالدراهم جميعاً، فمنعت المسألة لوقوع ربا الفضل. أما على قول الحنفية، تقابل الدراهم العشرة بعشرة فقط من الدراهم الخمسة عشر في العوض الآخر، وتصبح الدراهم الخمسة الباقية في مقابل مكيال القمح، فتصح المسألة، وهذه الطريقة يسميها الحنفية "الاعتبار". ومستند الجمهور في حديث فضالة بن عبيد: (( أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنُزع وحده ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذهب بالذهب وزناً بوزن)).([14])
ويستدل الحنفية لمذهبهم في هذه المسألة بأن العقد إذا أمكن حمله على الصحة، لم يحمل على الفساد، بل على الصحة تصحيحاً له، وقد أمكن التصحيح بطريقة الاعتبار كما تقدم. ووافق الحنفيةَ في تجويز هذا الحسنُ البصري والشَّـعبي والنخغي.([15])
لكن المسائل التي يُصرف فيها الجنس إلى خلاف جنسه ممنوعةٌ عند الحنفية إن قُصد بها التحيّل، لأن المقصود بذلك الصرف إنما هو تصحيح العقود ما أمكن ذلك، بدليل أنهم يهدمون مبدأ صرف الجنس إلى خلاف جنسه هذا حين يتعذر ذلك؛ فلو باع رجل عشرة دراهم وثوب بعشرة دراهم وثوب، فإنه يصح ذلك ؛ ولكن لو افترقا قبل التقابض في الدراهم، فإن العقد يبطل في العشرة دراهم، مع أنه لو صرِف الجنس إلى خلاف جنسه، لما بطل.([16])
وقد نص المجمع الفقهي على جواز مبادلة مقدار من ذهب بمقدار آخر أقل منه مضمومٌ إليه جنس آخر؛ ووجَّه الجواز بجعل الزيادة في أحد العوضين مقابلة بالجنس الآخر في العوض الثاني، أي بالاعتبار، وهو قول الحنفية كما تقدم.([17])
وتطبيقاً لما تقدم على الصكوك:
-       لو تحولت موجودات الصكوك في مرحلة ما إلى نقود، فيمكن استناداً إلى قول الحنفية أن نقول بالجواز وندرأ وقوع ربا الفضل،.[18]
-        لو أدخلت النقود في الصكوك لغرض تسويغ الاتجار بهما، فذلك ممنوع، لأن مبدأ الحنفية المذكور لا يعمل، كما ذكروا، إن كان القصد التحيّل.
   هذا في النقود؛ أما الديون، فتخريجها على قول الحنفية لا يستقيم، لأن كل الفقهاء يشترط في بيع الدين النقدي بالنقد حلول الدين تحقيقاً للتقابض في بيع المال الربوي بجنسه كما تقدم. وتفصيلاً للمسألة، فإن النقود تختلف عن الديون في تطبيق مبدأ الاعتبار الذي قال به الحنفية على الصكوك، لأن الصك المشتمل على النقد إن بيع بالنقد، أمكن القول بتحقق التقابض في النقد بقبض الصك، بناء على أن الصك في بعضه يمثل ذلك النقد، وقد قُبض الصك، فيُقبض ما في ضمنه. أما الدين المتضمَّن في الصك، فهو مؤجل غير مقبوض وإن قبض الصك، مما يفوّت شرط التقابض في بيع النقود ببعضها.
 ولا ينفع هنا مبدأ صرف الجنس إلى غير جنسه الذي قال به الحنفية وعلى أساسه سوغنا بيع الصك المشتمل على النقد بالنقد، لأنه لا يصح أن يقابل الدين أي نقد عوضاً له، ولو عوضاً مساوياً، لتحقق ربا النسيئة؛ كما لا يمكن أن يترك الدين في الصك بدون عوض مقابل حين بيع الصك المشتمل على الدين بالنقد، نظراً لأن الدين هو جزء من قيمة الصك وقد يمثل الجزء الأكبر من  قيمته في بعض الحالات.
وعليه، فإن الاستناد إلى قاعدة مد عجوة، أو مبدأ صرف الجنس إلى غير جنسه، يمكن أن يصح  في تسويغ بيع الصكوك المشتملة على النقد بالنقد لدرء وقوع ربا الفضل، لكن لا يصح  في بيع الصكوك المشتملة على الدين بالنقد أو بالدين، لوقوع ربا النسيئة حينئد.
التخريج الوحيد المحتمل لتسويغ ذلك هي في معاملة الصك جميعاً معاملة المال غير الربوي، حتى يمكن بيعه، وقد اشتمل على الديون، بالنقد أو حتى بالدين لا فرق في ذلك. والأمر المهم هنا هو الخروج بالأصل أو المعيار الذي يمكن على أساسه أن نحكم على الصكوك باعتبار موجوداتها القابلة للتدوال، ونغض النظر عن موجوداتها غير القابلة للتداول من الديون.

اختيار معيار معاملة الصكوك تجنباً للوقوع في ربا النسيئة:

‌أ.     معيار الثلث

باستقراء المعايير ذات الصلة بالمسألة نجد أن بعض المعايير الشرعية معيار الثلث في كثير من المسائل، فهل هو معيار صحيح، وهل يمكن اعتماده في مسألتنا؟
عمدة أدلة من قال بمعيارية الثلث بشكل حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: "قلت يا رسول الله، أنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة؛ أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: لا. قلت: أفأتصدق بثلثه؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" متفق عليه[19]
وهذا الاستدلال بالحديث لا يستقيم، فأقصى ما في الحديث من دلالة أن الثلث كثير في الوصية، أي أن إخراج ثلث المال وصيةً كثير في ذاته على الوصية، وهو كثير في مجال التبرعات التي منها الوصية فالشريعة مثلاً لم تحدد زكاة بأكثر من عشرة بالمئة؛ لا أن الثلث كثير في مقابلة الباقي وهو الثلثين! بل هو قليل في مقابلة الثلثين الباقيين. قال ابن حجر: "معناه كثير بالنسبة إلى ما دونه".[20] وذكر ابن حجر كذلك أن الكثرة أمر نسبي، فيكون الثلث قليلاً إذا ما قورن بالباقي، حتى إن الشافعي ذهب إلى أن معنى كثير في الحديث "قليل".[21]
فمن غير المستساغ إذن أن بعض المعايير الشرعية عممت الاستدلال بهذا الحديث في مواطن كثيرة منها مسألتنا[22]، فجعلت الثلث كثيراً على نحو يؤدي إلى أنه عدّه كثيراً في مقابلة الثلثين الباقيين من جنسه، وهو أمر ظاهر الفساد، ويخالف المنطق العقلي والرياضي. فالكثير في مقابلة آخر من جنسه هو  الأكبر قدراً، لا الأقل! فثلث العشرة ليس كثيراً في مقابلة السبع الباقية، وإن كان كثيراً في مقابلة الواحد أو الإثنين.
ولو صح هذا المنطق من تعميم الاستدلال بالحديث على تحديد معيار الكثرة، لكفى الإنسان في الدينا أن يكون ثلث عمله حسنات لينجو يوم القيامة على اعتبار أن الثلث كثير!! لكن هذا الثلث الذي يصفه البعض بالكثير قليل ولا ينجيه في مقابلة سيئاته التي بلغت ثلثي أعماله كما تنبئنا النصوص الشرعية في مسألة وضع الميزان، وما أهل الأعراف إلا قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم يكفهم الثلث (على كثرته المظنونة) ليقرر مصيرهم!
وتجدر الإشارة إلى أن المالكية قد راعوا تعذر الفصل بين ما هو مال ربوي ومال غير ربوي الحاصل في بعض المسائل، فأجازوا استثناءً من منعهم لمسائل مد عجوة بيعَ المحلّى بأحد النقدين بجنسه من الذهب أو الفضة (كبيع السيف المحلى بالذهب بذهب) إذا كان في نزع الحلية فسادُ الشيء، وشرطوا لذلك شروطين أساسيين، هما تعجيل العوضين دفعاً لربا النسيئة، وأن تكون الحلية بقدر الثلث فأقل من قيمة الشي مع حليته، وذلك لتصير الحلية تابعةًً له. أي أنهم عدوا تابعاً ما كان ثلثاً فأقل[23].
وبعض المعايير الشرعية اليوم التي تأخذ بالثلث، كمعيار هيئة المحاسبة والمراجعة في البحرين هو على النقيض تماماً من هذا، فهم جعلوا أقل من الثلث أصلاً متبوعاً، والثلثين تابعاً لما اكتفوا شرطاً لتدوال الصكوك بأن تبلغ موجودات الصكوك القابلة للتدوال 30% فقط، ودون تفريق بين نقود وديون!

‌ب. معيار الغلبة:

إن كان من اجتهاد في المسألة مقبول في رأينا، فهو تحديد المعيار باعتبار الغلبة، وهو المعيار الذي أخذ به مجمع الفقه الإسلامي. وعليه، تعامل موجودات الصكوك غير القابلة للتداول معاملة القابلة للتداول إن كانت الأخيرة هي الغالبة وذات النسبة الأعلى؛ فيمكن تداول هذه النوعية من الصكوك ذات الموجودات المختلطة حينئذ، ولا سيما أننا نجد للغلبة اعتباراً في بعض المسائل المتعلقة بالأموال الربوية عند الفقهاء، لكن على النحو الذي لا يؤدي إلى تسويغ محرم[24]. هذا بشرط أن تقوم الحاجة إلى ذلك؛ أما أن تدخل الموجودات غير القابلة للتداول من الديون في حصيلة الصكوك قصداً بغية تسويغ الاتجار بها، فهذا لا يقبل، لحصول التحيل حينئذ على المحرم.
ولما ذكرنا نظائر في الفقه في تطبيقات الربا، فقد عومل الذهب _ ومثله الفضة وكل مال ربوي _ المغشوش، أي المختلط بغيره معاملة الذهب الخالص إن كان الذهب هو الغالب، وخرج عن كونه ذهباً إن كان الغش، أي المعدن الآخر هو الغالب؛ وإنا تساوى الذهب والغش، عومل الكل معاملة الذهب احتياطاً.[25]
والخلاصة أنه لما لم يصح اعتماد مبدأ صرف الجنس إلى خلاف جنسه في قضية الديون من موجودات الصكوك، لأن هذا المبدأ ينفع لدرء وقوع ربا الفضل، ولا يجدي في درء وقوع ربا النسيئة الحاصل في بيع الديون على النحو الذي تقدم، لم يبق إلا أن نعتمد معيار الغلبة إن قامت الحاجة إلى ذلك، ولا يصح معيارٌ غير معيار الغلبة.
وهذا القول بتسويغ اعتماد مبدأ صرف الجنس إلى خلاف جنسه الذي قال به الحنفية، أو معيار الغلبة في موجودات الصكوك (أكثر من 50%) ينبغي أن يقيد بأن تكون الحاجة قائمة إلى ذلك، بأن تشترى وتصكك شركة ما مثلاً بكل موجوداتها المشتملة على النقود والديون[26]، أو أن يتحول جزء من موجودات الصكوك في زمن ما بعد إصدار الصكوك إلى نقود أو ديون. وقيام الحاجة من عدم قيامها أمر يقرره الاقتصاديون والمختصون.
لكن إن كان يتعذر عملياً في بعض أنواع الصكوك المحافظة على كون موجودات الصكوك من الأعيان هي الغالبة طيلة فترة قيام الصكوك، لكثرة تحول الأعيان إلى ديون ونقود خلال فترة الاستثمار من جراء عمليات البيع التي لا يمكن تقييد حجمها أو جدولتها زمنياً، فلعله يمكن اغتفار تداول الصكوك حينئذ وإن نزلت نسبة ما تمثله من الأعيان عن النصف باعتبار كون ذلك أمر طارئاً وعرضياً ومؤقتاً.
أما أن يكون الغرض من التصكيك أصلاً تسويغ الاتجار بالديون، ، فهذا تحيل ممنوع، وكذا إن تم إدخال ديون (ديون مرابحة مثلاً) قصداً إلى موجودات يراد تصكيكها، لتسويغ بيعها مثلاً إلى حملة الصكوك بحسم، ليبيعوها لاحقاً بسعر أعلى أو ليحصلوا لاحقاً على القيمة الأسمية للديون عند إطفاء الصكوك، فلا يجوز كذلك، لأنه تحيل يخرق ويناقص غاية ومقصد المنع من بيع الدين.
ومن نافلة القول ذكر اشتراط أن لا يكون من نشاط الشركة التي صككت موجوداتها الاتجارُ بالنقود أو الديون. لأن جواز تصكيك موجودات مثل هذه الشركة يكون سبيلاً للتحيل على الاتجار الديون تحت غطاء شرعي.
وينبغي كذلك التفريق بين عملية التصكيك، وبين تداول الصكوك، فإصدار الصكوك التي تمثل حصيلة الإسهامات المالية النقدية من المستثمرين التي يراد منها شراء أصول معينة جائز، لأن ذلك لا يعني اتجاراً بالنقود؛ أما تداول هذه الصكوك بيعاً وشراءً قبل تمثيلها كلاً أو جزءاً لأصول قابلة للتداول، فهو الممنوع، لأنه يكون بيعاً واتجاراً بالنقود بقيَم مختلفة، وهو ربا الفضل.

تداول الصكوك التي تشتمل موجوداتها على قروض ربوية

تقدم أن الصكوك أداة مالية ظهرت على أيدي علماء الاقتصاد الإسلامي، وليست أداة مولدة، أريد بها تلبية حاجات التمويل للمؤسسات، وإيجاد فرصة جديدة للأفراد للاستثمار. وعليه، فإنه ينبغي هيكلة هذه الصكوك هيكلة إسلامية لا تنغص إسلاميتها المبررات والمسوغات التي تثار عند أسلمة الأدوات التمويلية المولدة من الحاجة إلى التساهل في بعض الجوانب، كالتغاضي عن نسبة معينة من اشتمال الأداة التمويلية على عناصر ربوية كالقروض، بداعي مقتضيات الأسلمة من التدرج في العملية وتعذر تنقية المنتج المؤسلم من الشوائب كلياً. فإذا ما كانت الصكوك الإسلامية منتجاً إسلامي النشأة، فإن من الممكن أن تؤسس على نحو إسلامي خالص، لا يشوب إسلاميتها عنصر محرم؛ ولو لم يسلم منتج إسلامي النشأة كالصكوك من الربا وغيره من العناصر المحرمة الدخيلة، فأي اقتصاد إسلامي نأمل قيامه على دعائم الشرع، ونتذرع للشوائب فيه بمرحلية الفترة لحين الخروج بالمنتجات الإسلامية الأصيلة غير المولدة، ثم ننجح بالخروج ببعض المنتجات الإسلامية الأصلية ونسوق إليها الشوائب سوقا!!
وعليه، فإنه ما ينبغي أن تعامل الصكوك معاملة الأسهم من حيث اغتفار انطواء السهم على حصة من القروض الربوية بحسب بعض المعايير بداعي تشابه الصك بالسهم، بل الصك يختلف عن السهم اختلافاً بيناً من هذا ا لاعتبار، فالأول من حيث النظر منتج إسلامي، والآخر منتج قائم صير إلى تنقيته باعتماد معايير شرعية اجتهادية، اغتفر بعضها وجود ديون ربوية في أصول الشركة التي تُتداول أسهمها بداعي ما تقدم من الحاجة إلى التساهل عند أسلمة الأدوات التمويلية التقليدية. وبقطع النظر عن سلامة هذا التخريج، فإن الصكوك منتج لم يؤسس على أساس آخر تقليدي، ليقال فيه ما يقال في السهم من مبررات.
والخلاصة أننا إن غضضنا الطرف عن اشتمال الصكوك لقروض ربوية كما فعلنا في منتجات أخرى، فإننا نصيب هذه الصناعة في مقتل، لأننا بذلك نلغي فارقاً جوهرياً بين المنتجات الإسلامية ونظيراتها التقليدية، ونروج للربا، ونكون كمن يعترف بأن الربا عنصر لا يمكن الاستغناء عنه في منظومة التمويل الإسلامي.

تداول صكوك السلم

تنشأ صكوك السلم بإحدى طريقتين:
- أن تصدر الصكوك بنية استخدام حصيلتها في شراء بضاعة سلماً.
- أن يكون مصدر الصكوك هو البائع في السلم (المسلم إليه).
وفي كلا الحالتين، فإن صكوك السلم تمثل المسلم فيه المبيع بعد توقيع عقد السلم، والمسلم غير مقبوض، فيكون في تداول صكوك السلم بيع غرر، وهو ممنوع، لأنه بيع مالم يُقبض، وقد يتعذر على المسلم إليه تسليم المسلم فيه إلى رب السلم لانقطاعه من الأسواق أو إفلاس البائع ونحو ذلك من الأسباب. وعليه يكون تداول صكوك السلم قبل قبض المسلم فيه ممنوعاً؛ أما بعد قبضه فيجوز تداول صكوك السلم من حين القبض إلى أن تباع بالنقود الحالة أو المؤجلة، لأن الصكوك حينئذ لا تمثل نقداً أو ديناً، فيكون تداولها غير جائز، كما هو الحال في صكوك المرابحة والاستصناع مثلاً بعد بيع السلع .
لكن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أجازا بيع المسلم فيه قبل قبضه للمسلم إليه ولغيره، وقيدا جواز بيعه للمسلم إليه بشروط تتعلق بالثمن خروجاً عن العينة والتحايل على الربا كما سيأتي لاحقا عند الحديث عن صكوك السلم والعينة.
قال ابن تيمية: "بيع دين السلم من بائعه ليس فيه محذور أصلاً كما في بيعه من غير بائعه ".[27] وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: "والدين في الذمة يقوم مقام العين، ولهذا تصح المعاوضة عليه من الغريم وغيره وتجب عليه زكاته إذا تمكن من قبضه".[28]
ولما كان المالكية يجيزون بيع ما سوى الطعام قبل قبضه[29]، فإنهم أجازوا أيضاً بيع المسلم فيه للمسلم إليه ولغير المسلم إليه إذا لم يكن طعاماً بشرط أن يكون الثمن حالّاً، تجنباً لوقوع بيع الكالئ بالكالئ، أي المؤجل بالمؤجل. لكن قيدوا جواز بيعه للمسلم فيه بشروط الغرض منها كذلك تجنب التحايل على الربا كما سيأتي.
قال ابن رشد (الحفيد):"وأما بيع دين السلم من غير المسلم إليه فيجوز بكل شيء يجوز التبايع به، ما لم يكن طعاماً، لأنه يدخله بيع الطعام قبل قبضه".[30]
وقال ابن جزي: "يجوز بيع العرض المسلم فيه قبل قبضه من بائعه بمثل ثمنه أو أقل لا أكثر، لأنه يتهم في الأكثر بسلف جر منفعة ويجوز من غير بائعه بالمثل وأقل وأكثر يداً بيد، ولا يجوز بالتأخير للغرر لانه انتقال من ذمة إلى ذمة".[31]
ولعلَّ من الواجب هنا للفتوى الإفادة من خبرة الاقتصاديين في مسألة الآثار الاقتصادية التي قد تنجم عن السماح بتداول صكوك السلم بالاستناد إلى قول المجيزين من احتمال وقوع المضاربات على السلع الأساسية والأقوات.

ثالثا: الضمانات المقدمة لحملة الصكوك

لما تحولت الصكوك من أدوات للاستثمار الحقيقي إلى أدوات للتمويل، تماماً كما تحولت عقود المشاركات والمضاربات في المؤسسات المالية الإسلامية إلى عقود تمويلية، فإنها تسببت في إثارة قضايا وشبهات حول مشروعيتها وآلية عملها من حيث ضمان الأصل والعائد، نستعرضها فيما يلي:

‌أ.     تضمين مدير الصكوك على أساس دراسة الجدوى المقدمة:

ظهرت اجتهادات معاصرة بتضمين مدير الصكوك، سواء كان شريكاً أو مضارباً أو وكيلاً بالاستثمار، لقيمة الصكوك الاسمية، أي رأسمال المستثمرين حملة الصكوك،  أو عائدها، على أساس دراسة الجدوى المقدمة. أي أن يكون مدير الصكوك قد قدم دراسة اقتصادية عن جدوى المشروع الاستثماري، دل فيها على نجاح المشروع وربحيته، ثم ادعى لاحقاً وقوع الخسارة، ولم يثبت أن الخسارة خرجت عن كل التوقعات بحيث لا ينسب إليه شيء من الخطأ.
واستند لهذا الاجتهاد بأن الخسارة في الحالة المذكورة تدل على وقوع تغرير من هذا المدير بالمستثمرين، والتغرير يوجب الضمان "التغرير بالقول كالتغرير بالفعل يوجب الضمان". كما استُدل بالحديث "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"[32]، وبأن مدير الاستثمار مدع للخسارة، والأصل صحة دراسة الجدوى المقدمة، فبوقوع الخسارة يتمسك المدير بخلاف الأصل فيطالب بالبينة على أن الخسارة لم تكن عن خطأ منه؛ وإن عجز عن ذلك، حكم بتضمينه.
وبالنظر في مسوغات هذه الاجتهادات، وظروف الاستثمار العامة وآلياته في عصرنا، نرى أن هذا الاجتهاد يمكن قبوله إن قيّد ببعض الشروط. ومؤداه أن تكون يد مدير الصكوك المال يد أمانة فلا يضمن المال في حال الخسارة إلا أن يعجز عن إثبات عدم تقصيره في حفظه أو استثماره. وهذا تعديل طفيف لقول الفقهاء في يد المضارب ونحوه، فهم قد عدوه أميناً، لكن لم يكلفوه عبء إثبات عدم تقصيره أو إهماله أو مخالفته لشروط العقد حتى يقال بتضمينه، بل عدوه سالماً من ذلك حتى يثبت رب المال العكس. أما الرأي الذي نراه أنسب لمقتضيات عصرنا، فهو أن نكلف المباشر لعملية استثمار المال من مضارب ونحوه عبء إثبات عدم مسؤوليته في حال تحقق الخسارة، فيكون مسؤولاً عنها حتى يثبت عدم قيام ما يوجب تضمينه شرعاً من إهمال أو تقصير أو مخالفة شروط. أي أن الرأي الجديد يختلف عن المعروف فقهاً في تحديد المطالب بالبينة، فهو في الفقه رب المال، وهو بحسب الرأي الجديد المباشر للاستثمار، أو ما يسمى بمدير الاستثمار.
وهذا الرأي له وجاهته، ولا سيما أن مدير الاستثمار هو مدع لمّا ادعى بدايةً جدوى المشروع وربحيته، ودَعم ذلك بدراسة مفصلة تؤيد دعواه. والأمر الآخر أن ظروف الاستثمار في أيامنا تختلف عن سابقتها، فقد يكون رب المال مصرفاً إسلامياً، أو مؤسسة إسلامية تستثمر أموال الآلاف من العملاء، فلا يسعها أن تعرّض أموال هؤلاء للخطر ولا سيما مع كثرة المحتالين، وضعف الرادع الديني والذمم المالية للناس في أيامنا.
ومن اعتبار آخر، فإن إقرار مثل هذه الصيغة من صيغ الاستثمار، يشجع المؤسسات المالية الإسلامية على الدخول في مجال الاستثمار الحقيقي بالمضاربة والمشاركة، والحد من الركون إلى التمويل المالي بطريق البيع الشكلي للسلع، والذي قد لا يختلف في جوهره الاقتصادي عن التمويل التقليدي.
لكن هذا الرأي من تحميل مدير الاستثمار مسؤولية رأس المال حتى يثبت العكس ينبغي تقييده بشروط هي الآتية:
-       أن لا يكون مدير الاستثمار قد نصّ بدايةً على عدم مسؤوليته على إثبات براءته من الخسارة الواقعة، وأقرّه على ذلك رب المال.
-       أن ينصّ الاتفاق أو العقد بين الطرفين على تحديد مسببات الخسارة التي لا يكون بوقوعها مدير الاستثمار مسؤولاً عن رأس المال، مثل وقوع الأزمات المالية، والكوارث ونحو ذلك.
-       أن يُحتكم إلى محكّم خارجي مستقل يتمتع بالخبرة الشرعية والتجارية اللازمة للحكم في هذه المسائل، لتقرير مسؤولية مدير الاستثمار من عدمها.
-       أن يقتصر تضمينه، في حال عجزه عن تبرئة نفسه وتحميله مسؤولية الخسارة التي وقعت حقيقة وأضرت بكل الأطراف، على رأس المال، ولا يتجاوز بذلك إلى الربح، لأن هذا الحكم على خلاف القياس لاعتبارات تقدمت، فلا يتوسع فيه.

‌ب. التعهد بشراء الصكوك

يقدم مدير الصكوك على اختلاف أنواعها أو مُصدِرها تعهداً بشراء الصكوك، ويجري التعهد بالشراء بإحدى القيم الآتية:
-       القيمة السوقية لموجودات الصكوك
-       القيمة العادلة، أي بتقدير الخبراء لقيمة هذه الموجوادت
-       بسعر يُتفق عليه وقت تنفيذ الشراء لا قبل
-       القيمة الاسمية
-       بسعر يحدده الواعد عند الوعد
ويلاحظ عدم تحقق الضمان في التعهد بالشراء بالقيمة السوقية، أو القيمة العادلة، وكذلك الحال في التعهد بالشراء بالسعر المتفق عليه وقت تنفيذ الشراء ما دام سعراً يخضع حقيقة لرضا الطرفين واتفاقهما؛ وذلك لأن الثمن في كل من الحالات الثلاثة السابقة قد يكون أنقص بكثير من القيمة الاسمية، مما ينافي ضمان رأس المال.
أما عندما يكون التعهد بسعر متفق عليه سلفاً، أو بالقيمة الاسمية، وإن لم تتحقق أحد المسوغات الشرعية للتضمين،  فهذا يعني حصول الضمان الممنوع حقيقة، لأنه في الحالة الأولى يضمن مصدر الصكوك أو مديرها قيمة معينة لحملة الصكوك، قد تكون أقل من القيمة الاسمية، أو مساوية، أو أقل، وفي كل هذا ضمان. وكذا في حالة التعهد بالشراء بالقيمة السوقية، يصبح رأس المال كلّه مضموناً.
والحقيقة أن عدم فاعلية هذا التعهد في حال تلف موجودات الصكوك أو فقدها إن وقع، على ندرته، لا ينافي وقوع الضمان الممنوع، لأن مجرد صدور هذا التعهد بحد ذاته ممنوع، إذ يخالف أحكام المضاربة أو الشراكة أو الوكالة بالاستثمار التي تحكم علاقة مدير الصكوك بحامليها.
أما إن كان الضمان صادراً من طرف ثالث مستقل تمام الاستقلال عن طرفي الصكوك بحيث يمكن تكييفه بأنه متبرع بدون مقابل، فهو جائز، لأن هذا الضمان لا يعدو كونه من التبرعات، شريطة استقلال هذا الوعد بالتبرع عن العقد الذي يحكم العلاقة بين طرفي الصكوك، كما نص على ذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 30 (5/4) بشأن صكوك المضاربة وصكوك الاستثمار.
1.  القيمة السوقية لصكوك الاستثمار تعدل القيمة الاسمية في غير حالة الخسارة:
ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى جواز صدور تعهد الشراء بالقيمة الاسمية على أساس أن القيمة السوقية لا تختلف عملياً عن القيمة الاسمية في غير حالة الخسارة، لأن على مدير الصكوك الاستثمارية أن يوزع الأرباح دورياً، ومعرفة وقوع الربح وتحديد مقداره الحاصل إنما يكون بالاستناد إلى رأس المال، لأن الربح هو ما فوق رأس المال. فإذا ما وزع الربح كله بمجيء وقت إطفاء الصكوك بقي رأس المال، أي كانت قيمة موجودات الصكوك حينئذ بعد حسم الربح مساويةً للقيمة الاسمية. وكذلك الحال فيما لو لم يكن ربح أو خسارة، فتتعادل القيمة الاسمية مع القيمة السوقية؛ فلا يكون ضيرٌ في إصدار التعهد بالشراء بالقيمة الاسمية، لأنه عملياً مساو للقيمة السوقية.
لكن هذا الكلام ينطبق على حالة استخدام حصيلة الصكوك في تمويلات نقدية فقط، ولا ينطبق على حال وجود أصول اشتريت بحصيلة الصكوك واستخدمت في العملية الاستثمارية، ولم تسيّل حتى إطفاء الصكوك، وذلك كالعقار والآلات اللازمة للمشروع الاستثماري، فإن هذه الأشياء تباع عادة في آخر المشروع في السوق، أي بالسعر السوقي، وهو غالباً ما يكون أدنى من سعر الشراء.
وعلى فرض التسليم بصحة تساوي القيمة الاسمية مع القيمة السوقية في حالات الربح أو عدم الخسارة، فإن ذلك لا يسوِّغ أبداً جواز إصدار مدير الصكوك تعهداً بشراء الصكوك بالقيمة الاسمية، لأن حالات الخسارة وإن لم يغلب وقوعها إلا أنها محتملة جداً ما دمنا نفرض أن العملية استثمارية حقيقية وليست تمويلية ذات ربح مضمون، أي بفائدة مبطنة. ووجودُ نحو هذا التعهد يعني وقوع الضمان الذي منعت الشريعة أبداً أي يتعهد به المضارب أو الشريك أو الوكيل بالاستثمار، وبصرف النظر عن نسبة احتمالية الخسارة.
2.    التعهد بشراء موجودات الصكوك
2.1.      - التعهد بشراء موجودات الصكوك ببقية أقساط الإجارة المتبقية في صكوك الإجارة المنتهية بالتمليك:
ذهبت بعض الفتاوى الشرعية المالية (هيئة المعايير الشرعية بالبحرين) إلى جواز أن يتعهد مدير الصكوك التي تقتصر على أصول مؤجرة بشراء تلك الأصول عند إطفائها بباقي أقساط الأجرة لجميع الأصول، باعتبارها تمثل صافي قيمتها. [33]
ونرى أن هذا غير جائز، لأن هذه الفتوى يتصور منها حالتان: الحالة الأولى أن يكون مدير الصكوك هو نفسه بائع الأصول أولاً ثم المستأجر لها إجارة منتهية بالتمليك؛ والحالة الثانية أن يكون بائع الأصول المؤجرة ثم المستأجر لها إجارة منتهية بالتمليك جهة أخرى مستقلة تماماً عن مدير الصكوك.
وفي الحالة الأولى يتحقق فيه الضمان الممنوع لرأس المال فضلاً عن الربح؛ فمدير الصكوك البائع للأصول يتعهد هنا بأنه في حال نقضه لعقد الإجارة لسبب ما بدفع باقي أقساط الأجرة، وفي هذا ضمان. هذا فضلاً عن عدم مشروعية أن يستأجر البائع ما باعة إجارة منتهية بالتمليك كما سيأتي لاحقاً. أما في الحالة الثانية، فيتحقق ضمان رأس المال والربح كذلك لحملة الصكوك، وقد تكون قيمة الأصول المؤجرة أقل من مجموع الأقساط الباقية للإجارة المنتهية بالتمليك، وقد يفسخ المستأجر عقد الإجارة المنتهية بالتمليك بعد فترة وجيزة من بداية الإجارة، فتعظم الخسارة على مدير الصكوك الضامن.
2.2.            - تعهد المستأجر في صكوك الإجارة بشراء الأصول عند الإطفاء بقيمتها الاسمية
أُجيز في بعض المعايير الشرعية للمستأجر التعهد في صكوك الإجارة بشراء الأصول المؤجرة عند إطفاء الصكوك بقيمتها الاسمية على ألا يكون شريكاً أو مضارباً أو وكيلاً بالاستثمار. [34]

وهنا قد يكون المستأجر إجارة تشغيلية هو نفسه بائع الأصول المؤجرة، فهو يدفع أجرة طيلة فترة الإجارة، ثم يشتري الأصول المؤجرة بالقيمة الاسمية للصكوك، أي بالثمن الذي باع به الأصول أولاً؛ فتكون الأجرة التي دفعها في أثناء عقد الإجارة هي الزيادة على المال الذي دخل إليه ثمناً للأصول التي باعها ثم أعاد شراءها بنفس الثمن. فتكون العملية كلها عينة أو ما يسمى ببيع الاستغلال، وهو حيلة ربوية على النحو الذي سنفصل لاحقاً. فعليه، يجب ألا ينظر إلى المسألة على أن التعهد صادر عن جهة مستقلة عن الجهة المديرة للصكوك، بل ينبغي أن ينظر إليها على ا لنحو الذي بينا، وهو تطبيقها العملي في الغالب.

‌ج. إقراض مدير الصكوك لحملتها عند نقصان الربح الفعلي عن المتوقع

ما عليه العمل في أكثر الصكوك أن مدير الصكوك يلتزم بإقراض حملة الصكوك في إحدى الحالتين التاليتين:
إذا لم يظهر ربح النشاط الذي استثمرت فيه حصيلة الصكوك في التاريخ المحدد لتوزيع الأرباح
إذا ظهر ربح ولكن كان دون المتوقع لحملة الصكوك في فترة من فترات التوزيع
فيلتزم مدير الصكوك بإقراض حملة الصكوك ما يحقق الربح المتوقع في التاريخ المحدد لتوزيع الأرباح، ثم يسترد مدير الصكوك ما أقرض لاحقاً من الأرباح التالية، أو من أصول الصكوك إن لم يتحقق أي ربح، وفي الحالة الأخيرة، يشتري مدير الصكوك عند إطفائها موجودات الصكوك بالقيمة الاسمية مضافاً إليها المبلغ المقتطع في وفاء القرض، بعد أن نقصت القيمة الاسمية بهذا الاقتطاع.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التعهد من مدير الصكوك بإقراض ما يكمّل الربح المتوقع، وهو الذي يحدَّد على أساس سعر الفائدة في فترة من فترات توزيع الربح، يترافق مع تعهد من حملة الصكوك بالتنازل لمدير الصكوك عن الربح المتحقق زيادة عن الربح المتوقع لتلك الفترة، الذي هو يبنى كما تقدم على أساس سعر الفائدة في تلك الفترة.
وقد أثار صدور التعهد بالإقراض إشكالاً شرعياً لدى البعض، لأن العلاقة التي تحكم مدير الصكوك بحملة الصكوك علاقة معاوضة لا تبرع، فهي إما مضاربة أو مشاركة أو وكالة بأجر، واجتماع القرض مع عقد معاوضة ممنوع للنهي عن اجتماع بيع وسلف؛ وكما يقول الفقهاء، فإن مثل البيع في حكم اجتماعه مع السلف كلُ عقد معاوضة، وذلك لتحقق علة المنع من احتمال التعويض عن القرض بأحد بدلي المعاوضة، فيكون تحيلاً عن الربا.
ونرى أن الإشكال يتجاوز هذه الجزئية إلى قضية أعم وأهم، وهي قضية الحكم على هذه الصكوك التي تؤسس في بعض الحالات على نحو يعدم الفارق بينها وبين السندات الربوية المحرمة، فرأس المال يضمن بالتعهد بالشراء بالقيمة الاسمية، ومدير الصكوك يتعهد بدفع العائد المتوقع المرتبط بسعر الفائدة من الربح الفعلي أو إقراضاً منه، وحملة الصكوك يتنازلون عما فوق الربح المتوقع الذي هو مرتبط بسعر الفائدة! ضِفْ إلى ذلك إشكالات توجد في بعض الصكوك دون بعض كصكوك الإجارة كما سيأتي، من مثل إجراء عقد بيع شكلي على ما لا يباع حقيقة من ممتلكات عامة حكومية، مما يعني عدم تحقق ملكية حملة الصكوك لموجودات الصكوك حقيقةً. كل هذا ونحوه يجعل من الخطأ محاولة إيجاد مخرج شرعي لكل جزئية من جزئيات الصكوك على حدة، لأنه حتى مع إمكان إيجاد التخريجات الشرعية الجزئية، تصبح الصكوك بهذه الجزئيات جسماً غريباً غير منسجم مع روح الشريعة ومبادئها وأصول أحكامها.
وهذا الجوهر المشكل لكثير من أنواع الصكوك التي ظهرت يُعدِم في رأينا الحاجة إلى النظر بعد ذلك في مسائل جزئية متفرعة تناولها البعض من مثل: هل المشاركات من المعاوضات حتى يمتنع إقراض مدير الصكوك أم لا، أي تحقيقا للنهي عن اجتماع معاوضة مع القرض؛  و هل الشركة في صكوك المشاركة هي شركة عقد أو مِلك، لأنه يجوز للشريك في شركة المِلك أن يتعهد بشراء حصة شريكه بسعر ما ولا يجوز ذلك لشريك شراكة عقد.
ولو كانت الصكوك صكوك استثمار حقيقي يقوم على الربح والخسارة الحقيقيين، ولا يكتنفها شيء من الضمانات، وتمثل ملكية حقيقية لموجودات الصكوك، لأمكن تجاوز جزئية التزام مدير الصكوك بتقديم قرض عند نقصان الربح الفعلي عن المتوقع في مقابل تنازل حملة الصكوك عن الربح الزائد عن المتوقع، وذلك بالاستناد إلى أن علة النهي عن اجتماع المعاوضة مع السلف هي احتمال التواطؤ على الزيادة في أحد بدلي المعاوضة لينتفع المقرض بالقرض، كأن يبيع المقرض للمقترض ما قيمته خمسون بستين، وهي علة لا يتصور تحققها هنا.  

مسائل متفرقة تتعلق بضمانات الصكوك:

‌أ.     بيع الصكوك عند الإصدار بأقل من القيمة الاسمية:

 ينبغي القول بمنع بيع الصكوك بأقل من قيمتها الاسمية لبعض حملة الصكوك، لأنه في حالة عدم تحقيق ربح فوق القيمة الاسمية أو خسارة دونها، يقوم مدير الصكوك بإطفاء الصكوك بالقيمة الاسمية، وإطفاؤها بالقيمة الاسمية يعني تحقيق ربح لم اشتراها بما دون القيمة الاسمية، وهو الفرق بين سعر الشراء، وتلك القيمة. أي أن ربحاً قد تحقق في حقيقة الأمر، لكن لم يشترك فيه باقي حملة الصكوك، مع أنهم شركاء في الربح والخسارة، وهم وإن كان يصح تفاوتهم في نسب الربح، لكن ذلك عند تحقق شيء من الربح لجميعهم، وهنا لم يتحقق شيء من الربح لجميعهم؛ فضلاً عن عدم احتمال قيام ما يسوغ تفاوت حملة الصكوك في نسب الربح في بعض الحالات.

‌ب. كفالة مدير الصكوك لمن يتعامل معه

الكفالة من مدير الصكوك، شريكاً أو مضارباً أو وكيلاً بالاستثمار، بعقد منفصل بالمجان لمن يتعامل معه كشركة تنفيذ هندسية أو مصدّر أو مورّد للسلع، جائزة، لأن هذه الكفالة لا تستلزم حقيقة حصول الربح أو حتى ضمان رأس المال حتى تكون ممنوعة؛ بل أقصى ما فيها كفالة طوعية من مدير الصكوك لالتزام جهة ما تعاقد معها، كحسن تنفيذ مشروع ما، أو التزام أطراف خارجية تعاقد معها مدير الصكوك بسداد مديونيات ناتجة عن عقود قد لا تثمر ربحاً أصلاً بل قد تكون خاسرة؛ فلا ضمان واقع إذن لحصيلة الصكوك أو أصل عائدها المتوقع.

‌ج. توزيع جوائز على حملة الصكوك

قد تعلن الجهات الراعية للصكوك عن جوائز بالسحب يراد منها جذب الناس إلى الاكتتاب في الصكوك، وما ينبئنا به المختصون هو أن هذه الجوائز إنما يدفع ثمنها المكتتبون حملة الصكوك، فكلفة الجوائز تقتطع حقيقة من أرباح الصكوك، أي أن المكتتبين يدخلون السحب بمقابل يدفعونه لاحقاً من أرباحهم في الحقيقة، ولا يدخلون بالمجان، مما يعني وقوع القمار.
ولو لم يكن الأمر كذلك، أي لو لم تُقتتطع كلفة الجوائز من المكتتبين، فإن الأمر داخل في دائرة الشبهة، لأن الجوائز قد تكون الحامل حقيقة على اكتتاب بعض الناس، مما يعني أنهم دفعوا ثمناً للدخول في السحب عليها، فتمتنع؛ إلا أن تكون الجوائز ذات قيمة قليلة، بحيث لا تشكل دافعاً معتبراً لدى الناس للاكتتاب، فتجوز حينئذ.
ومثل هذا يقال في الجوائز التي تمنح لجميع المكتتبين ويدفع ثمنها مدير الصكوك، فينبغي لجوازها ألا تكون عالية القيمة، لأنها إن كانت كذلك، أورثت ضمان جزء من رأسمال الذي يساهم به المكتتبون، فهم بمجرد اكتتابهم ودفعهم لرأس المال، ضمنوا شيئاً منه في استثمارٍ ما ينبغي أن يُضمن لهم فيه شيء، وهو قيمة هذه الجائزة التي نالوها، ضمنها لهم مدير الصكوك بالاكتتاب. وإن كان مدير الصكوك إنما يقتطع ثمن الجوائز الممنوحة للجميع من أرباح حملة الصكوك، فهو تغرير بهم، فهم كمن يشتري شيئاً لو علموا أنهم يدفعون فيه ثمناً ما اشتروه.

‌د.    تشكيل احتياطي من عائد الصكوك لتغطية خسائر مستقبلية محتملة

قرر المجمع الفقهي (رقم 30 بشأن صكوك المقارضة) جواز اقتطاع نسبة معينة من أرباح الصكوك في نهاية كل دورة استثمارية، إما من حصة حملة الصكوك في الأرباح في حالة وجود تنضيض دوري، وإما من حصصهم في الإيراد أو الغلة الموزعة على الحساب، ووضعها في احتياطي خاص لمواجهة مخاطر خسارة رأس المال.
والذي نراه هو وجوب تمكين حامل الصكوك من استرداد ما اقتطع من ربحه في تشكيل هذا الصندوق عند انسحابه من العملية الاستثمارية، لأنه لم يرض باقتطاع ذلك المبلغ متبرعاً، بل رضي بذلك ليفيد هو ذاته منه لاحقاً في فترات لاحقة محتملة لغرضِ تحقق انتظام تدفق العائد فحسب؛ فهو لم يتركه للآخرين، بل تركه لنفسه ليناله هو لاحقاً في وقت ما، بدليل أن العملية كلها عملية استثمارية الهدف منها تعظيم المال. فهي على هذا تختلف عن التأمين الإسلامي التكافلي حيث ليس الغرض غرض استثمار واحتفاظ بعائد الاستثمار إلى وقت مستقبلي، بل الغرض تفتيت المصائب. وعليه، فإن من حق حامل الصكوك المنسحب أن يسترد ما اقتطع منه في تشكيل ذلك الاحتياطي عند انسحابه.

‌ه.    استرداد قيمة الصكوك الاسمية بعد إغلاق الاكتتاب وقبل الشروع بالاستثمار

إن كان يُسمح لحامل الصكوك باسترداد قيمة الصكوك الاسمية قبل الشروع الاستثمار، فهذا لا يعد من قبيل الضمان الممنوع، بل من قبيل العدول عن قرار الاستثمار، وهو جائز.
و. حق حملة الصكوك بالاطلاع على سير عملية الاستثمار:
إن من حق حملة الصكوك أن يكونوا على اطلاع دائم على تطورات العملية الاستثمارية، بصرف النظر عن نوعية الصكوك التي يحملونها، نظراً لأنهم أصحاب المال والمتضرر الأول في حال وقوع الخسارة. ولا يعد إعطاؤهم هذا الحق تدخلاً مباشراً في شؤون إدارة عملية الاستثمار التي يتولاها مدير الصكوك مضارباً كان أم وكيلاً بالاستثمار، بل من قبيل ممارسة الحق الجائز الذي أعطته الشريعة لرب المال.
ولضمان اطلاعهم على مسيرة العملية الاستثمارية، فمن الواجب أن يمثلوا بجهة مستقلة عن الجهة التي تتولى إدارة الصكوك تحقيقاً للمصداقية. وتزداد الحاجة إلى هذا التمثيل عندما تكون الجهة المديرة للصكوك مملوكة لمصدر الصكوك القابض لحصيلة الإصدار، ليتحقق بهذا التمثيل التأكد من حقيقة تحقق الاستثمار وشرعيته، وأن عملية الإصدار ليست غطاءً للحصول على تمويل بربا تحت غطاء من الصكوك.



رابعا: الصكوك والعينة

صكوك الإجارة المنتهية بالتمليك والعينة:

قرر مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية عشرة التي انعقدت في الرياض في الموافق لشهر سبتمبر من عام 2000 للميلاد جواز الإجارة المنتهية بالتمليك، وحدد لذلك شروطا مجملها ما يلي:
-  أن يكون عقد الإجارة حقيقياً بحيث تطبق عليه أحكام الإجارة من كون ضمان العين المؤجرة ونفقات الصيانة غير التشغيلية على المؤجر طيلة فترة الإجارة.
-  استقلال عقد الهبة أو العقد الذي تُملَّك به العين المؤجرة بعد انتهاء الإجارة عن عقد الإجارة بحيث يكون كل منهما عقداً مستقلاً، لا أن يجعل العقدان في عقد واحد.
   ولأن عقد الإجارة بالتمليك من العقود المقبولة، فقد صير إلى إصدار صكوك صارت تعرف بصكوك الإجارة، وهي أنواع مختلفة، منها ما يقوم على أساس عقد الإجارة المنتهية بالتمليك.
   لكن هذه الصكوك  المبنية على الإجارة المنتهية بالتمليك في بعض تطبيقاتها تضمنت العينة، والعينة لم يقل أحد من أهل الفقه بحلها[35] وإن كان بعض الفقهاء، كالإمام الشافعي[36]، يقول بتصحيح عقدها باعتبار استيفاء عقد العينة لشروط البيع الظاهرة، والشافعي كما هو معلوم يصحح العقود باعتبار ظواهرها، لكنه لا يقول بحل، أو لا يملك أن يقول بحل ، ما كان الغرض منه غير شرعي، كالوصول إلى الحرام. يقول الإمام الشافعي: "الأحكام على الظاهر، والله وليّ الغيب، من حكم على الناس بالإزكان[37]، جعل لنفسه ما حظر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، لأن الله عزَّ وجل إنّما يتولّى الثواب والعقاب على المغيَّب، لأنه لا يعلمه إلا هو جل ثناؤه. وكلّف العباد أن يأخذوا من العباد بالظاهر، ولو كان لأحد أن يأخذ بباطنٍ عليه دلالة، كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم".[38] وأوضح ذلك الغزالي أيضاً، وهو الشافعي المذهب، فأشار إلى أن الحكم على شيء بالصحة لا يستلزم الحكم عليه بالحل.[39]
   وتضمن هذه الصيغة من صكوك الإجارة للعينة حاصل في أن بائع الأصول التي صككت يعود فيشتريها بطريق الإجارة المنتهية بالتمليك مع التواطؤ السابق على ذلك، أي أنه يبيع الأصول تصكيكاً بمبلغ ما، ثم يستأجرها إجارة منتهية بالتمليك، فتعود إليه تلك الأصول بثمن أعلى من الثمن الأول الذي باع  به، وهذا معنى العينة. ولا يقال هنا إن ملكية الأصول عادت إلى البائع الأول عن طريق الهبة، أو البيع بثمن رمزي هو أقل بكثير من الثمن الأول، فهي تختلف عن العينة! لا يصح قول هذا إلا إن كنا نحكم على حل العقد باعتبار ألفاظه وشكلياته، لا باعتبار معانيه وجوهره، وهذا ما لم يقل به فقيه، ولو صح هذا لصح عقد الإسلام من منافق، ولحلّ التحّيل على الزنا بالنكاح. فالواجب هنا النظر إلى العملية باعتبار جوهرها لا باعتبار شكلياتها، وجوهر المسألة أن بائع الأصول قبض مالاً في بيعه لسلعة بقيت عنده حقيقة ثم دفع لاحقاً أكثر مما قبض إلى ذات الشخص عن اتفاق مسبق، وهو معنى العينة التي تبقى فيه العين المباعة حقيقة عند البائع مع الالتزام بإرباح الشخص المشتري على المبلغ الذي دفع.
وفضلاً عن تضمن صيغة الصكوك المذكورة لمعنى العينة، فإن تضمنها لمعنى بيع الاستغلال واضح، ومعنى بيع الاستغلال أن تباع العين بيعَ وفاء على أن يستأجر البائعُ المبيع([40]). أي أن المشتري ينتفع من المبيع بإجارته للبائع نفسه، مع وجود شرط أن البائع متى دفع الثمن، رده المشتري إليه ، وهذا البيع لا يختلف في جوهره عن شراء شيء ثم إجارته إلى بائعه إجارة منتهية بالتمليك، وقد نص عليه بعض متأخري الحنفية والفتوى على فساده، كما ذكر صورته ابن تيمية وحرمه.([41])
وعليه، فإنه وإن كانت صيغة الإجارة المنتهية بالتمليك مقبولة في الأصل، وبمشروعيتها قال مجمع الفقه الإسلامي، إلا أن تطبيقها على النحو المؤدي إلى العينة، بأن يكون المستأجر هو بائع الأصول أولاً، ينبغي القول بعدم مشروعيته لتحقق مضمون القرض الربوي فيه.
يدل على ما ذكرنا من تحقق مضمون القرض الربوي في هذه الصيغة من صيغ الإجارة المنتهية بالتمليك ما يلي:
الأمر الأول: تحمل المؤجر لتبعات الملك حقيقة، فالمؤجر الذي اشترى الأصول قبل من المستأجر، يحمل عملياً المستأجرَ كلفة التأمين على الأصول المؤجرة، ويحمله كذلك نفقات الصيانة الأساسية التي يتحملها الملاك عادة، وذلك عن طريق تقسيم الأجرة إلى ثلاثة أقسام:
الأجرة الثابتة. ويمثل مجموعها كلفة شراء الأصول على المصرف
الأجرة المتغيرة. وتمثل ربح المصرف، وهي عملياً سعر الفائدة السائد في السوق
الأجرة المضافة. وتمثل النفقات الطارئة، كنفقات الصيانة الأساسية.
وعليه، فإن الطرف المؤجر يحمّل المستأجر ما ينفقه فوق ثمن شراء الأصول، فلا يتحمل تبعات الملك حقيقة؛ وحتى في حال التلف أو الهلاك، فإن شركة التأمين هي التي تدفع قيمة الخسارة، وأقساط التأمين إنما يدفعها المستأجر، أي أن شركة التأمين تمثل المستأجر حقيقة في الدفع.
الأمر الثاني: وقوع هذه الصيغة من صيغ الصكوك أحياناً فيما لا يبيعه حقيقة المالكُ أولاً المستأجرُ لما باع، وذلك كما حالات إصدار صكوك الإجارة المنتهية بالتمليك الواقعة على شراء ممتلكات حكومية لا تنقل الحكومة ملكيتها إلى شركات خاصة أو أفراد، كالموانئ والمطارات وكل المرافق العامة الأساسية. فوقوع الإجارة المنتهية بالتمليك، المتطلبة شرعاً لتملك المؤجر الحقيقي لما يؤجره، على أصول لا يمكن للمصرف أو مؤسسة التمويل الإسلامي أن يتملكها حقيقة يدل على أن العملية ليست عملية بيع ثم إجارة حقيقية، بل تمويل بفائدة وقد استتر بلبوس عقد شرعي.
الأمر الثالث: أن المستأجر في عموم حالات الإجارة المنتهية بالتمليك يدفع أجرة هي أعلى حقيقة من الأجرة السوقية للمنفعة المستأجرة، أي أن المدفوع ليس أجرة فحسب، بل حصة من الثمن أيضا، وهذا يدل على تحقق قصد شراء العين، لا شراء المنفعة. أي أن الإيجار اللاحق لشراء العين هو من حيث المضمون عقد بيع، لا عقد إجارة حقيقي؛ وقد تقدمه بالتواطؤ عقد شراء من ذات الشخص بثمن أقل، فتتحقق العينة المحرمة.
وعليه، فإن الأمور الثلاثة المتقدمة تدل على عدم اختلاف هذه الصورة من صور الإجارة المنتهية بالتمليك عن بيع العينة ذي المضمون الربوي، فتكون صورة فاسدة؛ وإذا فسد العقد الذي أصدرت الصكوك على أساسه، كانت هذه الصكوك فاسدة وغير شرعية.
صكوك السلم والعينة:
بيع العينة كما هو معروف يتحقق بتواطؤ المشتري مع البائع على إعادة بيع السلعة إليه بسعر مختلف بغية التحايل على الربا.
وربّ السلم مشتر في عقد السلم، والمسلم إليه بائع، فهل يجوز إعادة بيع السلعة المسلم فيها قبل قبضها إلى المسلم إليه بعد شرائها منه؟
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى عدم جواز ذلك بإطلاق، لأنه بيع ما لم يقبض كما تقدم، وهو ممنوع.
وذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من متأخري الحنابلة إلى جواز بيع المسلم فيه قبل قبضه للمسلم إليه ولغيره، لكن ابن تيمية وابن القيم قيدا جواز بيع المسلم فيه إلى المسلم فيه، تحرزاً عن التحيل على الربا وحصول ربح ما لم يضمن، بأن يكون الثمنُ ثمنَ المثل أو أقل، لا أكثر. وقيدا الجواز كذلك بأن يكون الثمن حالّاً، تحرزا عن وقوع بيع الكالئ بالكالئ.[42]
وأجاز المالكية كذلك بيع ما سوى الطعام من المسلم فيه إلى المسلم فيه بشرطين اثنين:
أن يكون الثمن حالّاً حتى لا يتحقق بيع الكالئ بالكالئ.
أن يكون بمثل الثمن الأول أو أقل، تجنباً للتحيل على الربا.
يقول ابن جزي: ( يجوز بيع العرض المسلم فيه قبل قبضه من بائعه بمثل ثمنه أو أقل لا أكثر، لأنه يتهم في الأكثر بسلف جر منفعة ويجوز من غير بائعه بالمثل وأقل وأكثر يداً بيد، ولا يجوز بالتأخير للغرر لأنه انتقال من ذمة إلى ذمة). [43]
وعليه، وبالاستناد إلى فتوى المجيزين لبيع المسلم فيه إلى المسلم فيه قبل قبضه، فإن بيع صكوك السلم إلى المسلم إليه، بأن يقوم المسلم إليه المصدر للصكوك بإطفائها، يجوز ما دام إطفاء الصكوك بقيمة لا تزيد عن القيمة الاسمية لتلك الصكوك، أو بالقيمة السوقية للسلع المسلم فيها.




خامساً: تقييد الصكوك محاسبياً

إن عملية تصكيك مؤسسة أو موجودات هي عملية بيع لهذه الموجودات إلى حملة الصكوك، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من أن تعامل عملية التصكيك على هذا النحو، من حيث تقييدها في الميزانية.
ولو لم يجر الأمر حسابياً على هذا النحو، لكان التصكيك ائتماناً، أي إقراضاً، وهذا يترتب عليه أنه قرض ربوي، لأن حملة الصكوك يعود عليهم أكثر مما دفعوا، والجهة المصككة تدفع أكثر مما مالت، وهذا هو الربا.
ومما يتصل بهذه المسألة، تصكيك موجودات بالبيع مع أنها لا تباع أصلاً، لمكليتها العامة، أو ملكيتها الحكومية غير المرغوب بتخصيصها، مثل الموانئ والمطارات والمرافق العامة؛ فبما أن هذه الأشياء لا تباع عملياً، فإن إصدار صكوك تستدعي نقل ملكيتها إلى حملة الصكوك، كصكوك الإجارة، أمر غير ممكن وغير مقبول.











المراجع

  
1.    ابن أبي شيبة، المصنف.
2.    إبن الهمام، فتح القدير
3.    إبن تيمية،  مجموع فتاوى ابن تيمية.
4.    ابن جزي، القوانين الفقهية
5.    ابن حزم، المحلى، (بيروت، دار الآفاق الجديدة).
6.     إبن رشد الحفيد، بداية المجتهد
7.    ابن عابدين، الحاشية (بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط2، 1407هـ)
8.    إبن قدامة، المغني.
9.    إبن قيم الجوزية، إعلام الموقعين.
10.       إبن قيم الجوزية، تهذيب السنن
11.       ابن منظور، لسان العرب (بيروت: دار إحياء التراث، ط3).
12.        أبو داود، سنن أبو داود
13.       الإمام الشافعي، الأم .
14.       البجيرمي، الحاشية
15.       البخاري، فتح الباري في صحيح البخاري
16.       بدائع الصنائع
17.       البهوتي، كشاف القناع، (بيروت، دارالفكر
18.       البيهقي، سنن البيهقي
19.       الترمذي، سنن الترمذي
20.       الحاكم، سنن الحاكم ،
21.       الحطاب محمد بن عبد الرحمن، مواهب الجليل (بيروت، دار الفكر، ط2، 1398هـ)
22.       الدارقطني، سنن الدارقطني
23.       الدردير الشرح الكبير.
24.       الدسوقي، الحاشية، (مصر، دار إحياء الكتب العربية، طبعة عيسى البابي الحلبي)، ج3، ص63 
25.       الزيلعي، تبيين الحقائق
26.       الشربيني الخطيبب، مغني المحتاج، (بيروت، دار الفكر، بدون تاريخ)، ج2
27.       الشرقاوي، الحاشية
28.       الغزالي، المستصفى  (دار الأرقم ، بيروت).
29.       قرارت مجمع الفقه العالمي
30.       الكاساني ، بدائع الصنائع: (دار الكتاب العربي، بيروت، ط 2، 1982م).
31.       مجلة الأحكام العدلية.
32.       المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة، فتاوى،  البحرين.
33.       مسلم، صحيح مسلم
34.       مغني المحتاج 
35.       المواق، التاج والإكليل:
36.       النووي،  روضة الطالبين



[1]  .  استقيت منها كلمة (check) باللغة الانجليزية، وكلمة (cheque) باللغة الفرنسية، وأشبهاهما في اللغات الأخرى.
[2]  من الأخطاء الشائعة إطلاق كلمة السند على الصك.  فالسند يمثل حقا في مبلغ محدد من النقود يدفع في أجل معين، ويتكون هذا المبلغ من الأصل المدفوع بداءة في شراء السند والربا المحسوب عن الأجل.  ولذلك فالسند وما يشابهه مثل أذون الخزانة، أدوات مالية ربوية يحرم التعامل بها شرعا.  ولذلك فإن استخدام البعض تعبير "السندات الإسلامية" لوصف الصكوك فيه تناقض واضح في المعنى والمدلول، إذ كيف تكون الأداة المالية ربوية وإسلامية في آن واحد؟!
[3] من الممكن جدلا أن يمثل السند حقا في دين نقدي لاربوي، أو قرض حسن، ولكننا لا نجد أمثلة عملية لذلك.
[4] حاشية الدسوقي 4/44، المغني لابن قدامة 5/375،  مغني المحتاج 2/13، بدائع الصنائع 4/187.
[5] المادة رقم 215 من مجلة الأحكام العدلية.
[6] المغني لابن قدامة 5/178
[7] المادة 215 من مجلة الأحكام العدلية
[8] - انظر ابن عابدين، الحاشية (بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط2، 1407هـ)، ج4، ص160 ؛ الحطاب محمد بن عبد الرحمن، مواهب الجليل (بيروت، دار الفكر، ط2، 1398هـ)، ج4، ص368 ؛ الدسوقي، الحاشية، (مصر، دار إحياء الكتب العربية، طبعة عيسى البابي الحلبي)، ج3، ص63 ؛ الخطيبب الشربيني، مغني المحتاج، (بيروت، دار الفكر، بدون تاريخ)، ج2، ص71 ؛ البهوتي، كشاف القناع، (بيروت، دارالفكر)، ج3، ص307 ؛ ابن حزم، المحلى، (بيروت، دار الآفاق الجديدة)، ج9، ص6.
[9] الدين غير المستقر هو كالصداق قبل الدخول أو دين الكتابة، فإنهما دينان على خطر عدم الثبوت في الذمة، فقد تقع الفرقة في المثال الأول فلا يثبت من الصداق إلا نصفه؛ وقد يعجز المدين عن أداء دين الكتابة، فلا يكون دينٌ.
([10]) -كشاف القناع للبهوتي:3/307، مغني المحتاج للشربيني:2/71.
([11]) -حاشية ابن عابدين: 4/160.
([12]) -مواهب الجليل للحطاب:4/368،  حاشية الدسوقي: 3/63.
[13] روضة الطالبين للنووي: 3/48 ،  التاج والإكليل للمواق: 4/302 ، كشاف القناع للبهوتي: 3/260 ،  المغني لابن قدامة: 4/168.
([14]) - أخرجه: مسلم في صحيحه:3/1213، كتاب المساقاة 22، باب بيع القلادة فيها خرز وذهب 17، رقم 1591. واللفظ له؛ وأبو داود في سننه: 3/249، كتاب البيوع، باب في حلية السيف تباع بالدراهم 13، رقم 3351 بلفظ (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها خرز مغلفة بذهب، فابتاعها رجل بسبعة دنانير أو بتسعة دنانير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حتى تميز بينهما. فقال الرجل: إنما أردت الحجارة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا رُدَ حتى تميز بينهما)؛ والدار قطني في سننه: 3/3، كتاب البيوع 13، رقم 2770، 2771؛ والبيهقي في سننه: 5/293، كتاب البيوع 21، باب لا يباع ذهب بذهب مع أحد الذهبين شيء غير الذهب 29،رقم 10322؛ وابن أبي شيبة في المصنف:6/53، كتاب البيوع والأقضية ، باب في السيف المحلى والمنطقة المحلاة والمصحف 23، رقم 226.
([15]) -حاشية ابن عابدين: 4/237 ، فتح القدير لابن الهمام: 6/271 ، المغني لابن قدامة:4/170.
([16]) -انظر حاشية ابن عابدين: 4/239 ، فتح القدير لابن الهمام: 6/271.
[17]   قرار المجمع الفقهي رقم 88 بشأن تجارة الذهب والحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة، المؤتمر التاسع بأبوظبي، 1415هـ/1995م. 
[18]  حاشية ابن عابدين: 4/239 ، فتح القدير لابن الهمام: 6/271.
[19] الحديث أخرجه البخاري 3/1006، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس، رقم 2591، ومسلم 3/1250، باب الوصية بالثلث، رقم 1628.
[20] فتح الباري 5/365
[21] فتح الباري 5/365
[22] ومنها مسألة اختلاط الحرام بالحلال، وهي المسألة الأغرب التي ينبغي تناولها في بحث مستقل.
([23]) -حاشية الدسوقي: 3/40.
([24]) -حاشية الدسوقي:3/47 ، مواهب الجليل للحطاب:4/346، حاشية الشرقاوي: 3/78 ، حاشية البجيرمي:  3/16 ، مغني المحتاج للشربيني: 2/22
[25] فتح القدير لابن الهمام : 6/275.
[26] إلى هذا ذهبت المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة.
[27] مجموع فتاوى ابن تيمية، الجزء 29، باب السلم.
[28] إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية 4/3.
[29] بداية المجتهد لابن رشد الحفيد2/108
[30] بداية المجتهد لابن رشد 2/155
[31] القوانين الفقهية 1/178
[32] الحديث رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم من حديث الحسن عن سمرة مرفوعا، ورواه أبو داود والترمذي بلفظ "...حتى تؤدي"
[33] فتوى المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة بالبحرين.
[34] فتوى المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة بالبحرين.
[35] حاشية ابن عابدين:4/279 ، بدائع الصنائع للكاساني: 5/198-199 ، تبيين الحقائق للزيلعي: 4/163 ،  مواهب الجليل للحطّاب: 4/404، الشرح الكبير للدردير: 3/89، حاشية الدسوقي: 3/78، كشاف القناع للبهوتي: 3/186، تهذيب السنن لابن القيم: 9/ 253-254،   المغني لابن قدامة:4/278-279.
[36] مثل الشافعية في تصحيح العقود أخذاً بظاهرها وعدم اعتبار مقاصدها الحنفية، وإبطال الحنفية لبيع العينة عند عدم توسط ثالث لا يناقض مبدأهم هذا، فهم إنما استثنوا من مبدئهم هذا تلك الصورة من بيع العينة التي يكون فيها البائع أولاً هو المشتري ثانياً، فحكموا عليها بالفساد لورود النص في ذلك، أي استدلالاً بحديث السيدة عائشة مع زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنهما، حيث فيه أن البائع أولاً هو المشتري ثانياً، وقالوا بأن مثل هذا الوعيد الصادر عن عائشة في منع هذا البيع لا يوقف عليه بالرأي. وقد اعتبروا الحكم في هذه الحالة معدولاً به عن القياس، فأبقوا ما وراءه على أصل القياس من تصحيح العقود اعتباراً بظاهرها، وفسّروا حالة المنع بأن الثمن الثاني يصير قصاصاً بالثمن الأول، فيبقى عن الثمن الأول زيادة لا يقابلها عوض في عقد المعاوضة، وهو عين الربا . انظر بدائع الصنائع، الكاساني، (دار الكتاب العربي، بيروت، ط 2، 1982م): 5/198-199.
[37] الإزكان : التفرّس والظن . انظر لسان العرب، ابن منظور ، (بيروت: دار إحياء التراث، ط3) ، مادة: زكن.
[38] الأم للإمام الشافعي : 4/114. باب لا وصيّة لوارث. وقد أورد الإمام الشافعي أدلة كثيرة لمذهبه هذا ذكرها في هذا الموضع .
[39] المستصفى للغزالي، (دار الأرقم ، بيروت): 2/36.
([40]) -جمعية مجلة الأحكام العدلية ، المادة 119، ص 31.
([41]) - انظر حاشية ابن عابدين : 4/248؛ مجموع فتاوى ابن تيمية 29/333-335.
[42] مجموع فتاوى ابن تيمية، الجزء 29، باب السلم؛ ، إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية 3/340.
[43] القوانين الفقهية لابن جزي 1/178
Post a Comment