Sunday, July 28, 2013

نحن النخبة: ديمقراطيون أم فاشيون؟

نحن النخبة: ديمقراطيون أم فاشيون؟
تتجه مصر بسرعة إلى انقلاب في الأوضاع السياسية، من ثورة قامت في 25 يناير نتج عنها تحرك حثيث وإن واجه صعوبات، نحو بناء دولة ديمقراطية مدنية، وبالرغم من فشل التحرك في إقامة سلطة تشريعية منتخبة، فقد نجح في تنصيب رئيس منتخب، وصياغة دستور هو أحسن دساتير مصر حتى الآن، وإن كانت تشوبه بعض الهنات التي تسهل معالجتها بتعديل قليل من مواده، وكان التحرك الديمقراطي يسير نحو انتخاب مجلس للنواب، ثم مجلس للشورى لتكتمل أركان الدولة الديمقراطية.
وكان من خصائص التحرك الديمقراطي منذ تنصيب مرسي، أن المعارضة أبدت من البداية رفضها للتعاون مع مرسي، شاعرة أنها انتخبته فقط لتتخلص من أحم شفيق، ثم بدأت تتهمه بأنه ليس رئيسا للجميع، وأنه يهتم بتوزيع الغنائم على أعضاء جماعته التي يتلقى أوامره منها، أكثر مما يهتم بلم شمل المصريين تحت مظلة الرئاسة، وشعر مرسي وأعوانه من ناحية أخرى أنهم يواجهون معارضة المناكفة والاستنزاف، التي نظمت حوالي 8000 مظاهرة و24 مليونية خلال عام واحد، وهو رقم قياسي بشتى المقاييس. كما أن القضاء اتخذ موقفا عدائيا تجاه الرئاسة، وقام الإعلام بدوره المعتاد في التضليل ومحاولة غسل الأمخاخ لمصلحة الثورة المضادة.
وإزاء هذا الاستقطاب، كان من المفروض أن تنظر النخبة في الدستور، لترى إذا كان من الممكن أن يقدم حلولا لإنهاء الاستقطاب، ولإعادة اللحمة بين قوى الثورة الإسلامية والعلمانية-الليبرالية. وكان هذا الحل موجودا بالفعل. فالدستور أعطى مجلس النواب الحق في محاكمة الرئيس، ومَنَع الرئيس من حل المجلس دون استفتاء الشعب، فلو رفض الشعب الاستفتاء، يجبر الرئيس على الاستقالة. وكان من الواضح أن المعارضة الليبرالية-العلمانية قد تمكنت بمساعدة الإعلام من تجييش الرأي العام ضد الأداء المتواضع للرئيس وارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين. وأنه لو حدثت انتخابات قريبة، لكان حظ الليبرالية العلمانية هو الأوفر في مقاعد مجلس النواب، مما يزيد من قدرتها على التخلص من الرئيس إن أرادوا ومن التأثير على تعديل مواد الدستور الإثنتى عشرة غير المتوافق عليها.
ولكن المفاجأة كانت في عدم اللجوء للدستور، وإنما تجييش الحشود في الشارع للضغط على القيادة العسكرية للقيام بانقلاب عسكري، وقد حدث. فاستلم العسكر الحكم، وعطلوا الدستور، واعتقلوا الرئيس، وعينوا رئيسا مؤقتا ونائبا له، ووزارة انتقالية في ظل إعلان دستوري مختلف عليه، بل لم يُستفت فيه الشعب على الإطلاق. وهكذا استبدلت الدكتاتورية العسكرية بالشرعية الدستورية، وقضى تماما على المكسب الديمقراطي لثورة يناير، واصبح الأمر معلقا على عاملين لم يكونا موجودين قبل الانقلاب: مصالح القيادة العسكرية من ناحية، ودور الفلول والثورة المضادة من ناحية أخرى.
لا يخفى أن القيادة العسكرية في مصر، بالإضافة إلى حيازتها للقوة العسكرية، تسيطر على نسبة مهمة من النشاط الاقتصادي، يعطيها قوة إضافية من ناحية، كما يجعل لها مصالح ثابتة في توجيه القرارات الاقتصادية والسياسية للبلاد. ولقد جاءت المواد الخاصة بالجوانب العسكرية في دستور الثورة مخيبة للآمال، لأنها أبقت على تلك المصالح دون تغيير، نتيجة لضغط القيادة العسكرية من ناحية، التي كانت ممثلة في الجمعية التأسيسية، وهو شيئ غريب، ولانصياع القوى السياسية دون استثناء لذلك الضغط. كما لا يخفى أن الحشد المطالب بالانقلاب العسكري لم يقتصر على القوى الليبرالية-العلمانية التي شاركت في الثورة، وإنما تعداها إلى مشاركة تكاد تكون مهيمنة من جانب فلول نظام مبارك الذي كان امتدادا للدكتاتورية العسكرية. وهذا قد يفسر المطالبة بانقلاب عسكري بدلا من الاقتصار على تفعيل الشرعية الدستورية. ومن المعروف أن الفلول لن يؤيدوا بأي حال بناء ديمقراطية سليمة، لأنهم بطبعهم تربوا في مدرسة الفاشية لستين عاما منذ انقلاب 52. أما مشاركة حزب النور، فلم تكن ذات وزن سياسي، بل كانت انعكاسا لخشيته من المزيد من تدهور شعبيته.
ولذلك فإن الدور الذي تقوم به القيادة العسكرية والفلول سوف يمنع العودة للديمقراطية، وسوف يؤول إلى تأسيس دكتاتورية عسكرية تلعب فيها المؤسسات الديمقراطية دورا هامشيا. ولا أدري إذا كانت القوى الليبرالية-العلمانية تشعر بذلك الخطر، أو تستعد لمواجهة قادمة، قد تكون هي الخاسرة فيها.
ومن ناحية مرسي ومؤيديه، والداعين لعودة الشرعية الدستورية، فإنهم مازالوا يرفعون شعار عودة مرسي، وينسون الشرعية الدستورية التي هي الأساس الوحيد لحماية مكتسبات ثورة يناير. وكان من الأفضل دعوة الشعب المصري للالتفاف حول حماية مكتسبات الثورة وعودة الشرعية الدستورية، وبدلا من الدعوة لعودة مرسي، من الممكن أن تتم الدعوة لتقديم بديل يسهل تغيير الرئيس في إطار الشرعية الدستورية.
ولا أستطيع أن أنكر أن شجاعة وإصرار الداعين لعودة الشرعية الدستورية، بالرغم من المذابح التي سلطت عليهم، وسيل الدماء الذي جرى من  عروقهم. فهم مايزالون في ميادين القاهرة والمحافظات، يبدون تحديا عجيبا وإصرارا رائعا على تحمل كل المشاق في سبيل الدفاع عن الشرعية المسلوبة.
ولا تبدو النخبة السياسية العلمانية-الليبرالية متحمسة بالقدر الكافي لمواجهة خطر التحول لدكتاتورية عسكرية. بل إن الكثيرين مما أتحدث معهم يكادون يتحمسون لقائد الانقلاب العسكري كحاكم للبلاد، بنفس طريقة الفاشية العسكرية التي أصابت غالبية المصريين بعد انقلاب 52.
وتبدو مبادرة محمد سليم العوا وطارق البشري حلا مناسبا للخروج من الأزمة، لكن من غير المحتمل أن يوافق عليه الانقلابيون. لأن الحكم أصبح بأيديهم، ولأن مصالح الجيش والفلول لن تسمح بالنكوص للديمقراطية بعد أن قطعوا شوطا نحو الدكتاتورية العسكرية.
الأمر إذن يبقى معلقا على المفاوضات والاتصالات وراء الكواليس بين القوى السياسية، والتي لا أعلم عنها شيئا، لأنني لا أنتمي لأحد من تلك القوى. ولا أدري إذا كان الليبرال-العلمان ما يزالون مخلصون لثورة يناير، وما إذا كانوا على استعداد لبدء صراع مع الجيش والفلول لصالح مكتسبات الثورة. الأيام القادمة ستحمل الإجابة لهذه الأسئلة.
                                                            د. معبد الجارحي


Post a Comment