Thursday, July 25, 2013

الفاشية الدينية وغير الدينية

الفاشية الدينية وغير الدينية
الفاشية تعني جمع مقاليد الحكم في يد شخص واحد أو مجموعة واحدة، مثال ذلك، جمع سلطات الدولة في يد "مجلس قيادة الثورة" بعد الانقلاب العسكري الأول عام 52، ثم جمعها في يد جمال عبد الناصر. وقد يكون تجميع مقاليد الحكم صريحا فجا، كما حدث في أوائل انقلاب يوليو 52، وقد يكون خفيا بعض الشئ، بعد أن أضيف بجانب جمال مجلس تشريعي شكلي وانتخابات مزورة، واستمرت هذه الفاشية المستترة بعض الشيئ إلى نهاية حكم مبارك.
ومن أمثلة الفاشية غير الدينية الحكم الفرعوني، وحكم هتلر في ألمانيا، وموسيليني في إيطاليا. أما الفاشية الدينية، فتعتمد على تقديس الحاكم واعتباره بمثابة ظل الله في الأرض، ومن الممكن أن نعتبر الحكم الفرعوني فاشية دينية، كما كان الحال في كنيسة روما، وكنيسة بيزنطة، والكنيسة القبطية في مصر والأرثوذكسية في روسيا واليونان وإثيوبيا. ومما يخفف من هذه الفاشية، أن حكم الكنيسة اقتصر عادة على العبادات، ولا يمتد للاقتصاد والسياسة، وإن كان من الممكن لراعي الكنيسة أن يفرض سلطانه في هذه المجالات، كما فعلت روما مع الدول الأوربية. وقد تعاملت الحركات الإصلاحية مع هذه الظاهرة، حيث تقتصر الكنائس البروتستانتية على الشئون الدينية، كما أن قدسية راعي الكنيسة قد تم التخفيف منها.
والفاشية الدينية ليس لها وجود في الإسلام، باستثناء المذهب الشيعي. فالحاكم لا يجمع السلطات جميعا في يده، وإنما تتوزع بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، والفصل بين السلطات من الأمور المجمع عليها بين الفقهاء. والحاكم ليس ظل الله في الأرض، لأنه بشر يصيب ويخطئ، أما العصمة فهي للأنبياء. وكان المطبق في عهد الخلافة الرشيدة توزيع مقاليد الحكم بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. ولما تحولت الخلافة لملك عضود، أي لملوك يعضون على صولجانات الحكم بأسنانهم فلا يفلتونها، في عهد معاوية، وكان أغلب المسلمين ضد توريث الحكم، استخدم الحاكم القوة العسكرية لفرض رأيه، وعاد النظام إلى الفاشية غير الدينية، ولم تفلح كثرة الثورات والحروب بين المسلمين في العودة للخلافة الرشيدة، حيث تتوزع مقاليد الحكم بين السلطات الثلاث. وأصبح المسلمون ملكيين بالأمر الواقع.
ولكن بعض الدول الإسلامية استطاعت تكوين حكم ديمقراطي سليم نجح في إقامة دولة مدنية متطورة، واقتصاد منطلق، أهمها ماليزيا وتركيا.
أما الشيعة، فبعد انتصار ثورتهم ضد طغيان الشاه، تحولوا إلى الفاشية الدينية، بناء على رأي ضعيف لأقلية بين فقهاء الشيعة تؤيد ولاية الفقيه. فأصبح الخميني ومن بعده خامنئي الحاكم المطلق المعصوم، وتجمعت السلطات في يده، وإن كان يدير الدولة تحت إشرافه رئيس جمهورية ومجالس نيابية وقضاء، ولكن فكرة الحاكم ظل الله في الأرض بقيت متأصلة فيهم.
ولقد تولى مرسي الحكم وبجانبه سلطة نيابية (مجلس الشعب) كان من المفروض ان تراقبه، ولكن القضاء فاجأنا بحل المجلس فتحولت إليه السلطة التشريعية، وللأسف لم يكن موفقا في ممارستها، وكان للإعلانات الدستورية التي أصدرها صدى سيئ. وتمكنت الجمعية التأسيسية المنتخبة من المجلسين النيابيين من كتابة الدستور، ونزع السلطة التشريعية من مرسي وإعطائها مؤقتا لمجلس الشورى، ريثما يتم انتخاب مجلس النواب. وهنا عاد مرسي لوضعه الطبيعي، واقتصرت ممارساته على أعمال السلطة التنفيذية. أي أن الفاشية لم تمارس في مصر إلا خلال فترة حكم المجلس العسكري الذي حكم بعد ثورة 25 يناير. ولم تكن هذه الفاشية دينية، ولكنها كانت فاشية عسكرية، بناء على الأمر الواقع.
ولقد عادت هذه الفاشية في الانقلاب العسكري الثاني الذي تم في 3 يوليو 2013، وهي فاشية عسكرية تعود بنا لعصر حكم العسكر خلال عهد مبارك ومن قبله. فالسلطات جميعها مركزة في يد القائد العام للجيش، فهو قد عين الرئيس المؤقت والوزراء، بل وتدخل فس استدعاء وإرسال السفراء. هو الحاكب بأمره، وبيده صولجانات أو مقاليد الحكم.
هذه هي الفاشية، دينية كانت أو غير دينية، عسى أن يحرص المتحدثون على استخدام الألفاظ للدلالة على ما يقصدونه من معان، وليس لمجرد الهجوم بلا مبرر.

                                                            د. معبد علي الجارحي
Post a Comment