Tuesday, July 23, 2013

الانقلاب الثاني في ذكرى الانقلاب الأول

الانقلاب الثاني في ذكرى الانقلاب الأول
كنت مراهقا عندما قام جمال عبد الناصر بانقلابه العسكري في 23 يوليو عام 1952. وانبهرت مع أمثالي من الشباب بالعسكريين، وارتفع سقف توقعاتنا بالنسبة لمصر، حيث كان تعداد السكان لا يتجاوز 20 مليونا، وإمكانات النمو هائلة. وتوقعنا أن تتحسن الديمقراطية التي مارسناها في عهد الملك، حين كان سقف الحريات متوسطا، وكنا نتظاهر بحرية ونهتف ضد الملك والانجليز، وتطاردنا الشرطة أحيانا وتتجاهلنا أحيانا أخرى. وكان فهمنا للديمقراطية محدودا، وكنا نكره الأحزاب، ونرى أن اللعبة السياسية سمحت للملك الفاسد بتحويلها إلى لعبة كراسي موسيقية. ولذلك كنت وغيري من الشباب مستعدين لاعتناق الفاشية العسكرية، أي وضع صولجانات الحكم جميعها في يد العسكر الذين رأينا فيهم الطهارة والنزاهة.
وبالرغم من أن جمال اختار الحكم الشمولي ونبذ الديمقراطية، فإننا لم نبال كثيرا بذلك. ولعل أهم الأسباب أنه كان عبقريا في ضبط فكر الجمهور. فأمم الإعلام، وتمكن من توظيف أعلامه في تزيين الحكم المطلق وتدمير سمعة الأحزاب، وكان فارسه الأول محمد حسنين هيكل يطلع علينا كل أسبوع بعموده الذي فلسف فيه كل شيئ، وجعل من عبد الناصر صنما يعبد. كما أن عبد الناصر استخدم خبرته في عضويته في الجهاز السري للإخوان، في تكوين تنظيمات سرية، تجمع له المعلومات، وتعمل كقوة ضاربة في الشارع المصري ضد المعارضة.
وكان الإصلاح الزراعي وتأميم الصناعة مرتكزا لشعبيته. فمن ناحية، قضى على الملاك وإمكاناتهم في معارضته، ومن ناحية أخرى، أدخل في روع الفلاحين أنهم أصبحوا ملاكا بعد أن أعطاهم ملكيات صغيرة من خلال اغتصاب أرض الغير بلا مقابل يذكر، ومن ناحية ثالثة، حوّل العمال إلى مؤظفين في القطاع العام، تتحدد اجورهم على أسس سياسية وليست اقتصادية، لكي يعطيهم من المكاسب مالا يتناسب مع الإنتاجية، وبالتالي كانت المصانع الخاسرة توزع الأرباح على العمال كحق مكتسب. وأصبح هؤلاء جزءا من القوة السياسية الضاربة ضد المعارضة في الشارع.
وتمكن جمال من محاصرة أهم قوة معارضة له، وهي الإخوان المسلمين، واستفاد كثيرا من سابق عضويته في الجماعة وجهازها السري لنصب الفخاخ السياسية التي وقعت فيها بلا حذر.
ولعل من أقوى جوانب حكم جمال، أنه استخدم القضايا المتعلقة بالعلاقات الخارجية لحشد التأييد الشعبي، فتحدث عن القومية العربية، والوحدة، وتحرير فلسطين، ولكنه في الواقع قسم العرب لمعسكرين: تقدمي ورجعي حسب تعبيره، وترك الحكم وقد سقطت فلسطين بكاملها في يد الصهاينة. كما أنه استخدم الفنون إلى أبعد حد، فقد تغنى الشعراء ومؤلفي الأغاني وكبار نجوم الغناء بإسمه، وجعلوا منه اسطورة من خيال. كما استخدم فمه إلى أبعد الحدود، فقد كانت خطبه الطويلة المليئة بالتسريبات، تجمع المصريين البسطاء حول اجهزة الاستقبال ليستمتعوا بما فيها من انتصارات وهمية، وقصص مشوقة.
وكان من أهم الابتكارات السياسية لجمال استفادته من التجربة النازية في ألمانيا بتكوين جهاز للأمن يعتمد على الترويع والتعذيب بلا حدود، ويمارس الاعتقال دون محاكمات، وزيارة المنازل عند الفجر لخطف أرباب وربات الأسر، كل هذا مع نشر ثقافة التخابر، التي وصلت إلى حد أن يكتب الناس تقارير في اصدقائهم وأقربائهم كوسيلة لحماية أنفسهم أو التقرب للحكم، وبهذا اكتملت أركان الحكم القمعي. وكان الشباب أمثالي لا يستطيعون الاحتجاج والتظاهر والاعتصام، مما نجده الآن حقا طبيعيا، لأن ذلك يمكن أن يؤدي للاعتقال لعشرات السنين دون محاكمة، مع التعذيب والتنكييل بالنفس والأهل والأصدقاء.
وعندما سافرت للدراسة في الولايات المتحدة عام 1962، ذهلت بجهلي بما يدور في مصر، وبمدى التضليل والتجهيل وغسل الأدمغة الذي يتعرض له شعبنا المسكين. وكان من الطبيعي أن أشفى تدريجيا من الفاشية العسكرية، ويتجه تفكيري نحو الديمقراطية المبنية على آليات تضمن عدم التزوير، وشفافية التمويل، والبعد عن حكم مجموعات المصالح، الذي يتميز به الحكم في الولايات المتحدة.
ونظرا لأن حكم جمال القمعي كان يعتمد على أهل الثقة ويتجاهل أهل المعرفة، فقد وقع في أخطاء متتالية. أولها، تأميم القناة عام 1956 قبل انتهاء امتياز شركتها في 1968، حيث دفعت مصر ثمنا اقتصاديا وعسكريا وبشريا باهظا نتيجة العدوان الثلاثي، وساعد التأميم على دخول أمريكا الشرق الأوسط كقوة عظمى بدلا من بريطانيا. ثم أرسل جمال افضل القوات المصرية إلى اليمن عام 1962 لدعم جانب من الشعب اليمني ضد جانب آخر، حيث وقفت السعودية مؤيدة للجانب الآخر، في أول حرب أهلية بين العرب تتم من خلال طرف ثالث. وكانت السياسة الاقتصادية أسوء ما جاء به جمال، حيث أدى التحول الاشتراكي إلى تفويت الفرصة على مصر فى دخول انطلاقة اقتصادية. حيث كانت مصر عا 1960 في نفس مستوى كوريا الجنوبية اقتصاديا، فتأخرت بينما انطلقت كوريا دون توقف.
ولقد كان من أهم أفضال جمال بناء الجيش وتسليحه، حتى قيل في الستينيات أن مصر هي أكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط. ولكن هذه القوة تضعضعت خلال ساعات أمام العدوان الإسرائيلي عام 1967، وذاقت مصر أسوء هزيمة لها منذ الهكسوس، وما تزال آثار العدوان ماثلة أمام أعيننا. وبالرغم من بسالة الجيش المصري في حرب العبور، وقضائه على اسطورة الدولة التي لا تقهر، فقد تنازلت مصر بقيادة السادات عن مكاسبها العسكرية، بتنازلها  عن سيادتها الكاملة على سيناء في اتفاقية كمب ديفيد.
المحصلة النهائية أن الانقلاب الأول الذي قام به جمال، وألهب به خيالنا لم يؤد للديمقراطية، بل إلى استمرار الدكتاتورية العسكرية لستين عاما. وبعد أن حكم جمال حكما عسكريا منفردا، تحول إلى بعض مظاهر الدولة المدنية، مثل الحزب الواحد، والانتخابات المزورة، اللذين استمرا خلال فترتي السادات ومبارك.
ولأول مرة في تاريخ مصر منذ عهد الملكية، تعود الحرية في 25 يناير، بفضل أهم عبور في تاريخ مصر، وهو عبور حاجز الخوف، وتمكن الشعب بشتى القوى السياسية من إجبار مبارك على التنحي، وكان لوقوف الجيش على الحياد أثره في نجاح الثورة وتقليل الضحايا. وكان هذا العبور أهم انجازات الثورة. يليه بعد ذلك إنجاز الدستور، فقد توافقت القوى السياسية على معايير لانتخاب جمعية تأسيسية، قام مجلسا الشعب (الذي انحل فيما بعد) والشورى مجتمعين بانتخاب أعضائها، وتم انجاز مواده بالتوافق، باستثناء المواد الإثنتى عشرة الأخيرة التي لم تشارك في صياغتها القوى الليبرالية والعلمانية، حيث تغيّب عدد منها دون استقالة رسمية، واستقال عدد قليل.
وتضمن الدستور في بابه الثاني الحقوق والحريات التي حرم منها الشعب المصري منذ العصور الفرعونية، كما تضمن نصوصا تقلل كثيرا من سلطات رئيس الجمهورية، وتسمح لمجلس النواب بمحاكمته، كما قيدت سلطة الرئيس في حل مجلس النواب بإجراء استفتاء، فإذا رفضه الشعب كان على الرئيس أن يستقيل.
ويبدوا أن أعضاء الجمعية التأسيسية كانوا مبالغين في التفاؤل، فلقد ظننا أنه بقراءة الدستور سوف يقف الشعب لحمايته، ولا يقبل نقضه أو إلغاءه، وإن كان من الممكن تعديله. كما اعتقدنا أيضا مخطئين أن الروح الديمقراطية ستعم الجميع. ولكن من وصلوا للحكم اتهموا بتمكين أنفسهم، وعدم القدرة للتصدي للمشاكل الملحة من ناحية، بينما استخدمت المعارضة اسلوب الاستنزاف، فقامت بما يزيد على 8000 مظاهرة و24 مليونية خلال عام واحد، مما أدى إلى انهيار اقتصادي واضح لم تستطع حكومة مرسي وقفه، خاصة وأن الفلول والدولة العميقة ساهموا في شح السلع الاستراتيجية ونجحوا في جلب غضب الكثيرين على الحكومة.
وعندما شعر كثيرون أن أخطاء الرئاسة في العام الأول لحكم مرسي كانت بالغة ومتكررة، ونظرا لارتباطه بجمعية الإخوان المسلمين التي كان إعلام جمال ومن تلاه قد نجح في تشويه سمعتها، قامت حركة تمرد، ومعها جبهة الإنقاذ تدعو للفاشية العسكرية كوسيلة للتخلص من مرسي. وبالرغم من أنه ليس هناك من دليل على أن الانقلابيون الفاشيون كانوا أغلبية، تحيز الجيش لخيارهم، وقام بالانقلاب العسكري الثاني في تاريخ مصر. وكان من أخطر وأسوء ما قام به هو تعطيل الدستور الذي هو الضمان الوحيد لكرامة وحرية الإنسان المصري.
ونتج عن ذلك تعيين رئيس غير شرعي، بلا سند دستوري، وحكومة غير شرعية، وسجن الرئيس الشرعي أو إخفائه.  ولو كان الانقلابيون قد وجهوا قواهم، مستفيدين من أخطاء مرسي وتزايد المعارضة لأسلوبه في الحكم، في دعم أغلبية في مجلس النواب تعارضه، لكان من الممكن أن يتم عزله دستوريا خلال شهرين أو ثلاثة فور انعقاد مجلس النواب. ولكن الكراهية الشديدة للآخر، وعدم قراءة الدستور وفهم محتواه، غلّبت المجازفة بمستقبل مصر وإيقاعها في فخ انقلاب عسكري ثانٍ.
والآن ونحن نشهد الانقلاب الثاني في تاريخ مصر، هل يرجع الانقلاب بنا إلى الدستور والديمقراطية، أم تعود الدكتاتورية العسكرية السابقة، ويودع الديمقراطيون السجون، بينما يحكم الانقلابيون بالقمع والتنكيل؟ وهل يستطيعون ذلك بعد عبور حاجز الخوف؟ هذه أسئلة تحتاج للمزيد من البحث في ذكرى الانقلاب الأول.

                                                                     د. معبد الجارحي
Post a Comment