Sunday, September 1, 2013

خريطة طريق الانقلاب

خريطة طريق الانقلاب

د. معبد الجارحي
يسير انقلاب 3 يوليو في طريق تم تحديده بدقة، وبدأت معالمه تتضح تدريجيا من سلولك قياداته والفاعلين فيه. ولنتحدث باختصار حول الأساليب التي يستخدمها الانقلاب في الوصول إلى محطته النهائية، والعقبات والأخطار التي تحوط حركته، والوجهة النهائية التي يقصدها.
من حيث الأساليب، نذكر الفكاهة التي ظهرت خلال ثورة يناير عن قيام مبارك بتحذير طواغيت المنطقة من أربعة أشياء: الشعب وإن صمت، والميادين وإن خلت، والجمعة وإن مضت، والفضائيات وإن صفت. ولما كان الانقلاب لا حيلة لديه في التخلص من الشعب، فقد أغلق الميادين، ومنع صلاة الجمعة في بعض المساجد، وأغلق الفضائيات التي تعطي مساحة للرأي الآخر، ونكل بمن يعمل بها.
ويعتمد الانقلاب في التعامل مع الشعب، وهو المعادلة الصعبة في وصوله للسلطة، بصورة متزايدة على الإرهاب والدم لقتل المبادرة الثورية التي اشتعلت بين الشباب في 25 يناير، وإعادتهم وراء حاجز الخوف الذي عبروه في 25 يناير، وسلاح ذلك القمع المتواصل بالاعتقال مع تجاوز ضوابط حقوق الإنسان التي نص عليها دستور الثورة في 2012، والرد بالرصاص على المتظاهرين إذا وصلوا للميادين المحرمة. واستخدام البلطجية تحت اسم الأهالي لإرباك المتظاهرين وتعطيلهم. وبعد أن كانت المظاهرات تخرج في عهد مرسي في حماية الجيش، حتى ولو استخدم المتظاهرون المولوتوف والخرطوش والشماريخ للحرق والقتل، أصبحت تخرج تحت تهديد استخدام الرصاص الحي. ولو قامت تمرد بمحاولة الحشد في ظل الظروف الحالية لما جمعت إلا القليل، إلا إذا وفرت لها سلطات الانقلاب الحماية الواجبة.
كما يعتمد الانقلاب على الدعم الفكري والمعنوي لأحزاب جبهة اِلإنقاذ، الذين أفشلوا الليبرالية المصرية بالدعوة لانقلاب عسكري ليخلصهم من خصومهم السياسيين، بدلا من مقارعتهم عند صندوق الاقتراع. فهم يبررون القمع بدعوى إرهاب وهمي يقوم به المعارضون للانقلاب، فكل قتل وفتك يجري في الشارع المصري تبرره الجبهة بأن بعض المتظاهرين كانوا مسلحين، بل وأن التظاهر والاعتصام في حد ذاته خطر يهدد الأمن القومي. مع أنهما حق دستوري مكفول، لأن التظاهر والاعتصام وسيلة لإظهار الرأي الآخر، حتى لا تطغى السلطة التنفيذية وتتجاهل رأي المعارضة.  بل قد صار مجرد التعبير عن الرأي الآخر إخلالا بالأمن القومي.
وهكذا أصبحت الليبرالية المصرية أضحوكة في فم الغرب الليبرالي، الذي لم يتوقع أن يتحول الليبرال في مصر إلى هذا الفكر الذي يعدونه منحرفا.
كما يعتمد الانقلاب على تعاون القضاء الذي قبل رئيس المحكمة الدستورية فيه أن يصدر قرار تعيينه من وزير دفاع وقائد جيش أقسم اليمين الدستورية باحترام الدستور والولاء لرئيس الجمهورية ثم حنث باليمين، وبعد أن كان نادي القضاة شوكة في حلق الرئيس المختطف، سكت تماما عن الكلام المباح بقدر سكوت شهرزاد عند سماح صياح الديكة.
ويعتمد الانقلاب أيضا على التأييد الواسع بين قوى الفلول الذين شاركوا بكثافة في الدعوة للانقلاب، وتمويلها، والذين يتطلعون إلى عودة الأمور إليهم في نهاية خارطة الطريق.
ويعتمد الانقلاب أيضا على توظيف ما يقرب من ثلاثمائة ألف بلطجي من المسجلين الخطرين لدى سلطات الأمن والذين يضعون أنفسهم في خدمة رجال الأمن إذا ما حصلوا على المقابل. فهم يندسون في المظاهرات شاهرين السلاح لكي يبرر إطلاق الرصاص عليهم، ويعملون قناصة عند اللزوم، كما يستخدمون في حرق الكنائس لإثارة الفتنة الطائفية، وحرق مقار أحزاب المعارضة والتنكيل بالصحفيين خلال تأدية وظيفتهم.
ولعل أشد ما يستعين به الانقلاب العودة لاستخدام الإعلام المصري لتلطيخ سمعة الإسلام السياسي وتقديم صورة مشوهة للأحداث الجارية في مصر، تؤكد على جانب واحد وهو مسئولية الإخوان المسلمين عن كل مصيبة حلت بمصر في تاريخها الحديث، وتناسي المساوئ الرهيبة للحكم العسكري الذي استمر منذ عام 1952 وحتى تنحي مبارك، ثم عاد مرة أخرى في 3 يوليو الماضي. ومن المضحك أن الإعلام المصري ما يزال يصر على أن ما حدث في 3 يوليو ليس انقلابا وإنما هو ثورة شعبية، مما يتناقض مع ما تقدمه معظم وسائل الإعلام المحايدة في العالم.  ومن أخطر ما يقوم به الإعلام هو تجاهل القمع والتنكيل بالمعارضين، بل وبالإعلاميين أنفسهم الذين تعرضوا للقتل والاعتقال دون محاكمة.
وأخيرا وليس آخرا يعتمد الانقلاب على تحويل الجيش المصري من مؤسسة للدفاع القومي إلى مؤسسة للأمن الداخلي، تغلق الميادين في وجه المتظاهرين وتفض الاعتصامات بقوة السلاح. وأخطر ما في ذلك أمران. الأول أن الدفاع القومي أصبح مهددا بانشغال الجيش في الأمن الداخلي، والثاني أن الدخول في حفظ الأمن الداخلي يفتح الباب على مصراعيه لدخول الجيش في السياسة وإدخال مصر في النموذج الأتاتوركي.
وبعد استعراض كل هذه الوسائل التي يستخدمها الإعلام للوصول إلى غايته، يحق لنا أن نتساءل ما هي خارطة الطريق التي يتبعها الانقلاب ويهدف الوصول إلى غايتها؟ الغاية القصوى للانقلاب هو إقامة حكم شمولي دكتاتوري في ثياب دستورية مهلهلة تحاول تغطية عوراته. ويحاول الانقلاب الوصول إلى ذلك من خلال المرور على المحطات التالية:
المحطة الأولى: تشويه دستور 2012 بصورة تسهل إعادة إنتاج الحكم العسكري محاطا بأعوان مبارك السابقين. فبدلا من انتظار الانتخابات البرلمانية في ظل دستور 2012، لكي يتمكن البرلمان من انتخاب هيئة تأسيسية جديدة تنظر في تعديلات الدستور، لجأ إلى تكوين لجنة فنية قدمت تعديلات مقترحة أقل ما يقال عنها أنها عودة لنظام الحكم البائد، وغلق الأبواب أمام تطور العمل الحزبي لكي يعود فلول مبارك والحزب الوطني للهيمنة على الساحة السياسية.
المحطة الثانية: إجراء انتخابات مزورة تحت إشراف قضاة ذوي ميول فاشية عسكرية من أمثال من قبلوا الحكم بأمر من قيادة الانقلاب، يفوز فيها تحالف الفلول والفاشية العسكرية الجديدة القديمة.
المحطة الثالثة: فور إجراء الانتخابات النيابية التي يفوز فيها تحالف الفاشية العسكرية والفلولية، يستكمل تأسيس الدولة الأمنية، وتقمع القوى التي قامت بثورة يناير. وسيكون قمع الإسلام السياسي قد اكتمل فسيشرع في قمع الليبرالية والعلمانية التي يمكن أن يكون لها ولو أدنى صلة بثورة يناير.
المحطة الرابعة: انتخاب رئيس للجمهورية من قادة الجيش أو من ذوي الخلفية الأمنية لإكمال حلقة السيطرة على مصادر القوة السياسية والاقتصادية في مصر.
على أنه بالرغم من حشد الموارد المالية والبشرية لإنجاح خارطة طريق الانقلاب، هناك الكثير من العقبات التي تعترض تطبيقه، يمكن أن نذكر منها ما يلي:
أولا: أن حاجز الخوف قد انكسر وتخطاه الشباب المصري بلا عودة، وستؤدي الإجراءات القمعية المتعددة التي يقوم بها الانقلاب إلى تزايد الاحتجاج وتقوية المعارضة وإضفاء شعبية متزايدة لها في الشارع السياسي المصري.
ثانيا: أن عدد القتلى منذ 30 يونيو وحتى الآن، والذي يقدر بالآلاف، والجرحى بأعداد أكبر والمعتقلين بأعداد تفوق طاقة السجون، قد أدخل آثار القمع والتنكيل في عدد كبير من البيوت المصرية، الأمر الذي سوف يستدعي القصاص العادل. ومن المعروف أن الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت منذ قيام الانقلاب لا تسقط بالتقادم.
ثالثا: أن الاقتصاد المصري في حالة مزرية. فلقد قضت الاضطرابات السياسية على السياحة تماما، كما أن ربع الإنتاج الصناعي قد توقف، ويوشك أن تتوقف المزيد من مؤسسات الأعمال عن الإنتاج خلال الشهرين القادمين، كما أن معدل البطالة قد تخطى ربع القوة العاملة. ويعود السبب في ذلك، إلى انخفاض القوة الشرائية في يد الجمهور وتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، ووقف خطط التوسع في قطاع الأعمال. ومن المشكوك فيه أن تستمر قدرة الدولة على توفير السلع الأساسية بأسعار غير متزايدة لجمهور الفقراء، الذين يتزايد عددهم باستمرار.
رابعا: أن مالية الدولة في حالة سيئة، مع تزايد اعتمادها على الاقتراض من المصارف المحلية بأسعار فائدة مرتفعة. وسيتزايد العجز في مالية الدولة بشكل مخيف، دون أن تتوفر موارد جديدة يمكن أن تخفف من حدة الأزمة الحكومية.
خامسا: أن سمعة الحكومة المصرية تتدهور بسرعة، بسبب استخدامها للقمع والتنكيل، وسيؤدي استمرار القتل في الشوارع إلى تزايد عزلة الحكومة، بل قد تلجأ الدول الغربية إلى أساليب تصل إلى حد المقاطعة والحصار الاقتصادي. وهذا سيكون خطيرا في دولة تستورد ثلاثة أرباع غذائها وما يقارب ثلثي مدخلاتها الصناعية.
ولذلك يمكن القول بأن خطة الانقلاب الطموحة في تحويل النظام السياسي من ديمقراطية يناير إلى شمولية أتاتوركية لن يكون من السهل تنفيذها. وأن العقبات التي تعترضها سوف تزيد من حدة الاحتجاجات ضدها، وستنضم للمظاهرات المستمرة منذ أكثر من شهرين قوى جديدة أهمها شباب يناير المغرر به، والفقراء والجائعون، والمتعطشين للديمقراطية بعد أن تذوقوها في عهد مرسي.
ومع استمرار الاحتجاجات فقد يجد الجيش من مصلحته أن يتراجع لثكناته، ويترك الأمر للقوى السياسية، خوفا من أن تتهدد مصالحة الاقتصادية بصورة لا يمكن مواجهتها، وقد تجد القوى السياسية الانقلابية أن حكم مصر ليس بهذه السهولة، وأنه من الأفضل العودة للديمقراطية للخروج من المأزق.
والله أعلم.





Post a Comment