Friday, July 10, 2015

الأزمة المالية العالمية: المرحلة الثانية: اليونان وأخواتها

ما وراء الأزمة
يقف وراء المرحلة الحالية من الأزمة المالية العالمية نظام التمويل الربوي الذي يتصف بعدم الاستقرار وميله لإيقاع الاقتصاد في أزمات متتابعة لا سبيل لمنعها وإن كان من الممكن إدارتها بصعوبة حتي يتم الخروج منها.
أما العامل الثاني فهو طبيعة الاتحاد الأوربي النقدي أو نظام اليورو. هذا الاتحاد يجمع النظم النقدية في دول أوربا في منظومة واحدة تحت إشراف البنك المركزي الأوربي. وبالتالي تتحدد كمية النقود وأسعار الفائدة في حزمة واحدة لجميع الدول أعضاء الاتحاد.
ويتفرع عن ذلك أن الحكومات الأوربية في حلٍ من تحقيق عجز في ميزانياتها، وتمويله عن طريق الاقتراض من البنوك العاملة في المجموعة الأوربية. ذلك لأن الاتحاد يقتصر على الجوانب النقدية ولا يمتد لجوانب المالية العامة. ولكي يتم التحكم في السياسات المالية لكل دولة والتنسيق بينها وبين السياسات المالية لشقيقاتها في الاتحاد، لا بد من توسيع الاتحاد النقدي ليشمل اتحادا ضريبيا، بمعنى أن الدول الأعضاء تتنازل عن سيادتها في مجال المالية العامة لسلطة اتحادية. وبهذا يتحول الاتحاد الأوربي إلى اتحاد سياسي يماثل الولايات المتحدة الأمريكية. 
ولقد كان من الخطأ أساسا أن تبدأ الدول الأوربية بالاتحاد النقدي وتتجاهل جوانب المالية العامة، لأن الاتحاد النقدي وحده سيثير مشاكل متعددة يمكن أن تعرضه للانهيار. ولكن يبدو أن صانعي الاتحاد النقدي كانوا يأملون أن يؤدي إلى التقارب المتزايد للدول الأوربية حتى تقتنع في النهاية أن تتحول للاتحاد السياسي. ولكن هذا لم يحدث بعد، بل إن الكثير يدّعي أن التباعد السياسي بين الدول الأوربية قد تزايد بصورة واضحة.
المسببات المباشرة للأزمة
يسهل الاتحاد النقدي للحكومات والمؤسسات والأفراد في دول الاتحاد دون تمييز الاقتراض بأسعار الفائدة السارية في الاتحاد، وهي الأسعار التي تعكس قوة الاقتصادات الأكثر تقدما في الاتحاد، خاصة الاقتصاد الألماني. وهذا يعني أن المقترضين في الدول ذات الاقتصادات الأقل قوة مثل أسبانيا والبرتغال واليونان وإيطاليا، والذين كانوا يقترضون بأسعار فائدة مرتفعة، أصبحوا بعد الاتحاد قادرين على الاقتراض بأسعار فائدة "ألمانية."
ولقد حاولت الدول الأوربية في بداية الأمر فرض حدود عليا على المديونية الحكومية وعلى معدلات التضخم والبطالة وغيرها كشرط للقبول في الاتحاد، التزمت بها الدول قبل قبول عضويتها، ولكن ما إن أصبحت من الأعضاء حتى تغيرت الأمور.
وآلت الأمور إلى أن الحكومات في الاقتصادات الضعيفة التي لا تستطيع جباية كل استحقاقاتها من الإيرادات الضريبية، بينما لديها أهداف طموحة بالنسبة لمستويات الخدمات الصحية والتعليمية ودعم العاطلين عن العمل والمتقاعدين، وتغطية نفقات التأمين الصحي الشامل، هذه الحكومات لم تجد غضاضة في الاقتراض لتمويل الفجوة بين إيراداتها ونفقاتها. ثم بعد ذلك، لجأت إلى الاقتراض لسداد القروض التي لم تعد تستطيع سدادها. 
ووقعت هذه الدول في مأزق المقترض المدمن على الاقتراض، نتيجة للفساد المنتشر عادة في الإنفاق الحكومي، وما يتبعه من تبذير في الإنفاق.
ومما يزيد الطين بلّة أن الأفراد في تلك الدول وجدوا الفرصة سانحة لرفع مستوى معيشتهم ِإلى ما يقارب ما هو سارٍ في ألمانيا مثلا، عن طريق الاقتراض. فأضحوا يقتنون السيارات الألمانية الفاخرة والمساكن المترفة، ومولوا كل ذلك بالاقتراض من بنوكهم المحلية بأسعار فائدة منخفضة. كما أن بنوكهم المحلية لجأت إلى الاقتراض من بنوك الدول الغنية في ألمانيا وفرنسا لتقديم المزيد من القروض لعملائها.
الدعوة إلى الإصلاح الاقتصادي
بعد أن استيقظ الدائنون من غفوتهم، ووجدوا أنه لا سبيل لهم إلى استرداد أموالهم من الحكومات والبنوك في الاقتصادات الضعيفة، بدأ الضغط للإصلاح الاقتصادي. ودخل صندوق النقد الدولي لوضع برامج إصلاح اقتصادي مقابل تقديم شيء من التمويل لمساعدة الدول على تجرع مرارة تلك البرامج.
وتعود مرارة برامج الإصلاح، إلى أنها تفرض على الدولة سياسات مالية انكماشية، بمعنى أنه لإنقاص العجز في الميزانيات الحكومية، لا بد وأن تقلل الحكومات من نفقاتها بصورة قاسية، تعني في النهاية ضغط الإنفاق على الصحة والتعليم ودعم العاطلين والفقراء وغير ذلك مما يكون له الأثر الأكبر على الطبقات الضعيفة، ويثير غضب غالبية السكان، فيلجئون في ظل نظم ديمقراطية إلى التظاهر ومحاولة تغيير الحكومة. كما أن البنوك في الدول الأكثر غنى تضطر في النهاية إلى الامتناع عن إقراض البنوك في الدول الأضعف اقتصاديا، بل وقد تستدعي القروض السابقة. وهكذا تتهد الحكومات في الاقتصادات الضعيفة والبنوك بالإفلاس. ويصبح الحل الوحيد المتبقي أمامها هو الخروج من الاتحاد والعودة إلى عملاتها السابقة.
ولا شك أن خروج دولة من الاتحاد بعد إفلاسها، سوف يضطر الدول الأقوى اقتصاديا كألمانيا إلى محاولة تعويض الموارد المالية التي فقدت نتيجة إفلاس الدول المدينة، بسياسات تقشفية قاسية، تهدد الاقتصاد الأوربي بالكساد. وهو تهديد سيمتد لباقي شركاء أوربا التجاريين، الذين يضمون معظم دول العالم. وبهذا تتكون مرحلة ثانية من الأزمة المالية العالمية بما فيها من إفلاس وكساد وبطالة وغيرها.
اليونان وفخ الاقتراض الربوي
وقعت اليونان في فخ الاقتراض، وشهدت طفرة استهلاكية كبيرة في البداية لم تقابلها طفرة استثمارية، وأصبحت الحكومة غير قادرة على سداد ديونها التي حصلت عليها ثم أنفقتها في مختلف الشئون التي لا تدر دخلا يمكن استخدامه لسداد القروض. 
ووقعت البنوك اليونانية في الفخ نفسه، حين وجدت نفسها قد قدمت قروضا ليونانيين ليرفعوا مستوى معيشتهم فوق قدراتهم، وأنهم أصبحوا لا يستطيعون سدادها. ووقع الجميع في فخ أسوء بعد أن وجدوا أن قروضهم تتزايد نتيجة تراكم الفوائد عليها، وأنهم لو أنفقوا حياتهم في سدادها ما حققوا ذلك على الإطلاق.
أما مأزق الدائنين، فهم وجدوا أن قروضهم، التي قام اليونانيون بسداد الكثير من أصولها بل وبعض فوائدها، ما زالت في دفاترهم لم تنته بعد. وبذلك لا بد وأن يتوقفوا عن الإقراض، أو أن يقوم اليونانيون باستكمال السداد.
ورأى المقرضون أن الوسيلة لتسوية الديون، ولا أقول لسدادها، فهي ديون قد سددت رؤوس أموالها، أن تقوم اليونان بما يسمى بإصلاح اقتصادي، يؤدي إلى زيادة إفقار الفقراء، وتحويل النمو إلى تدهور اقتصادي، وتحويل مؤسسات القطاع العام إلى الملكية الخاصة، لكي يتلقفها الرأسماليون في اليونان وغير اليونان، بأثمان بخسة، ويحققوا من ورائها المزيد من الثروات.
الإشكال الحقيقي الأخير ظهر في أن اليونانيين تجرعوا بؤس التدهور الاقتصادي دون جدوى، وسئموا الطريق الذي يفرضه عليهم صندوق النقد الدولي وبقية الدائنين. فانتخبوا حكومة تعدهم بالتوقف عن تقديم كؤوس المرارة تحت عنوان الإصلاح الاقتصادي. وكان من المدهش أن يخرج أكثر من ستين في المائة من الناخبين اليونانيين ليصوت ستون في المائة منهم ضد حلول صندوق النقد الدولي وشروط الدائنين.
ولكن كيف يمكن لليونان أن تخرج من مازقها، وكيف يمكن لأوربا أن تحصن نفسها من مثل هذه الهزات الاقتصادية؟ وهل من الممكن الاستفادة من مبادئ التمويل الإسلامي في هذا السبيل؟
أسباب الخروج من مأزق اليونان
أولا: أن اليونان وحدها لا تستطيع أن تصلح نظام الاتحاد النقدي الأوربي، لأن المتحكمين الحقيقيين فيه هما ألمانيا وفرنسا. وحجمهما الاقتصادي بالنسبة لليونان لا يؤهلهما الاستماع إلى نصائح الحكومة اليونانية اليسارية.
ثانيا: أن اليونان قد تحملت فعلا تكلفة عالية من جراء الاستدانة غير المنضبطة، جريا وراء إغراء أسعار الفائدة المنخفضة، ولا تستطيع أن تتحمل المزيد.
ثالثا: أن اليونان عمليات الاقتراض اليوناني لم تسلم من الفساد والإسراف والتهاون من جانب الحكومة ومؤسسات الأعمال والأفراد.
رابعا: أن المزيد من الاقتراض مع تطبيق برامج "الإصلاح" الاقتصادي التي يشرف عليها صندوق النقد الدولي لن يزيد اليونان إلا ضعفا وفقرا، بل سيوسع الهوة الاقتصادية بين الأغنياء والفقراء، مما ينتج معه المزيد من الاستقطاب السياسي والاجتماعي.
في ضوء ذلك، ومع الاعتراف بالحاجة إلى إغناء اليونان بدلا من إفقارها، فإن عليها أن تتخذ منهجا استثماريا لعلاج مشاكلها. وفي ضوء ذلك تقدم لدائنيها البرنامج التالي:
أولا: تعلن حكومة اليونان استعدادها التام للتوقف عن الاستدانة، وتمويل استثماراتها بأساليب تعتمد على المساهمات وليس المداينات. أو على الأقل، تتعهد الحكومة بتخصيص النسبة الأعظم من التمويل على المساهمات.
ثانيا: تقدم اليونان برنامجا يتضمن مشاريع تنموية طموحة للسنوات الخمس القادمة، يشمل قطاعات الصحة والتعليم والبنية الأساسية، وتكون مدرة للربح، وتعرض لتمويلها صكوك أو شهادات استثمار تعطي حامليها الحق في تملك موجودات المشاريع ونصيب على المشاع من ربحها. ويمكن لهذه الشهادات أن تصدر في مجموعات بحسب استخدام حصيلته في أنواع معينة من المشاريع. 
مثلا صكوك التعليم، تستخدم حصيلتها في إصلاح وتطوير وإنشاء المدارس والمعاهد التي تؤجرها الدولة لمن يديرها وفق آليات السوق. بينما تقدم الحكومة لغير القادرين على تغطية نفقات التعليم قسائم مقبولة لدى المدارس والمعاهد لدفع ما عليهم، تخصم قيمتها من الإيجارات المستحقة للدولة. 
ومن الأمثلة الأخرى صكوك الصحة والطرق السريعة وغيرها. بالإضافة إلى قيام شركات القطاع العام التي تحتاج إلى توسيع استثماراتها، بطرح أسهم في سوق المال لتميل التوسعة، بدلا من الاعتماد على السندات. وبذلك تشرك الجمهور في ملكيتها وإدارتها، الأمر الذي سيجبرها على ترشيد أمورها وانضباط إدارتها.
وبناء على هذا التوجه، تقوم الدول الأوربية بتكوين مُجَمَّع () للاكتتاب في هذه الصكوك جنبا إلى جنب مع الجمهور، بحيث يكون المجمع هو المدير الفعلي لشركات الغرض الخاص التي تصدر الصكوك، وبحيث يشارك في مجالس إدارة الشركات التي تنشأ من حصيلتها، ممثلا لحملة الصكوك ككتلة تصويتية رئيسة.
وبالإضافة إلى ذلك، تتخذ الحكومة الإجراءات التي ينصح بها الاقتصاديون لترشيد الدعم، بحيث يتحول إلى دعم نقدي وليس عيني ولكي يصل إلى مستحقيه حصريا. كما تعمد الحكومة إلى القيام بإصلاح ضريبي يحقق درجة معقولة من التصاعدية لدعم العدالة الاجتماعية، وابتداع ضريبة الدخل السالبة التي من شأنها تقديم منح نقدية دورية لمن يقل دخلهم عن الحد الأدنى على هيئة صكوك ومساهمات غير قابلة للبيع في مشروعات مربحة، يحصل الفقراء من أرباحها على دخل إضافي.
الخلاصة أنه على الحكومة اليونانية التقدم للمجموعة الأوربية ببرنامج استثماري توسعي، وليس ببرنامج إصلاح انكماشي، وقد تكون هذه بداية جيدة لتناول مشاكل الاقتصاد في البرتغال وأسبانيا وغيرها. يل قد تكون بداية لاستخدام البرنامج على المستوى الأوربي لرفع مستوى النمو والتوظف في القارة العجوز.
والله أعلم.   

Post a Comment